الذين لا يصدقون بالله ولا يقرون بتوحيده، ولا يعترفون بالبعث والحساب، والثواب والعقاب، لأنهم يرون بذل المال للجهاد مغرما يفوت عليهم بعض منافعه، ولا برجون عليه ثوابا كما يرجوا المؤمنون، ويرون الجهاد بالتقم آلاما ومتاعب، وتعرضا للقتل الذي ليس بعده حياة عندهم، فطبيعة كفرهم بالله واليوم الآخر تقتضي کراهتهم للجهاد، وفرارهم منه ما وجدوا له سبيلا،، بضد ما يقتضيه إيمان المؤمنين، وقد وقع لهم الريب، والشك في الدين من قبل .. فشكت قلوبهم في حقيقة وحدانية الله، وفي ثواب أهل طاعته، وعقاب هل محاسبه، ولم تطمئن به قلوبهم، ولم تذعن له نفوسهم. وإنما الإيمان هو اليقين المقارن للإذعان وخضوع النفس. إنهم في ربهم يترددون. وهم في شكهم منحيرون، وفي أعمالهم مذبذبون، وفي ظلمة الحيرة مترددون بحسبون كل صيحة عليهم، لا يعرفون حقا من باطل فيسلون على بصيرة فهم بوافقون المؤمنين فيما يسهل أداؤه من عبادات الاسم، فإذا عوض لهم ما بشق عليهم فعله ضافت به صدورهم، والتمسوا التنصل منه بما استطاعوا من الحبل والمعاذير الكاذبة، حتى أنه كان يشق عليهم حضور صلاة الفجر، والعشاء كما ورد في
الصحيح، >
کرهوا البعث فكره انبعاثهم:
ولقد كان أولئك الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وقدموا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أعذارهم الكاذبة ذوي قدرة على الخروج، لديهم ومسائله و عندهم عدته، كانوا مستطيعن لذلك ولم يفعلوا،، فلم يعدوا للخروج عدته، لأنهم لم يريدوه، وإنما أراوا بالاستئذان، ستر ما عزموا عليه من العصيان.
(ولو أرادوا الخروج لاعدوا له عدة، ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقبل اقعدوا مع القاعدين ) ) فهؤلاء الذين تخلفوا لم يكونوا على نية الجهاد في سبيل الله لأنهم لو كانوا على تلك النية لأعدوا للجهاد عدنه، ولاخدوا له أهبته، حتى إذا دعا داعي الجهاد كانوا على أنم الإستعداد .. وقد كان بين أيديهم أدوات الجهاد وعدته، وكان فيهم عبد الله بن أبي بن سلول، وكان فيهم الجد بن قيس، وكانوا أشرافا في قوتهم أثرياء، ولكنهم لم يكونوا أبدا على نية الجهاد .. حتى كانوا على كره قائم في نفوسهم له فكره الله انبعاثهم. وانطلاقهم مع المجاهدين، وأبغض تفرهم وخروجهم مع المؤمنين، لما بعلمه من طبيعتهم، ونواياهم المنطوية على السوء للمسلمين، ومن ضررهم العائق عما أحبه وقدره من نصرهم. كما سيجيء. ولهذا .. ثبطهم عنه وحل عزائمهم دون الجهاد، ولم يبعث فيهم الهمة للخروج بها أحدث في قلوبهم من الخواطر، وما أذاع في جوانبهم من المخاوف، التي هي مقتضي سننه في تأثير النفاق .. وإذا هم دعوة مستجابة لكل ناطق وصامت، يدعوهم بلسان المقال أو لسان الحال، ساخرا مستهينا .. (اقعدوا مع القاعدين) وتخلفوا مع العجائز والنساء والأطفال، الذين شأنهم القعود في البيت، لأنهم لا يستطيعون الغزو، ولا ينبعثون للجهاد .. فهذا مكانهم اللائق بالهمم الساقطة، والقلوب المرتابة، والنفوس الخاوية من اليفين .. وكان ذلك خيرا للدعوة وخبرا
للمسلمين