القديمة كان أحد عشر ألفا منهم يتكدسون في أكواخ بنيت من صفائح البنزين، من دون أن يكون فيها ماء أو تتوفر لها الشروط الصحية البدائية. وكان غيرهم، ممن لا أسر لهم، ينامون في العراء، وكانت هذه الأوضاع تقابل بشكل مخز المنازل الجميلة التي كان هؤلاء الفلاحون أنفسهم يشيدونها للقادمين الجدد الأغنياء، أو حتى مع مساكن العمال اليهود التي كانت تقدمها لهم جمعيات الإسكان اليهودية. وكانت أجورهم تعادل نصف أجور العمال اليهود بل ربعها، كما أن نزعة التفرد لدى اليد العاملة العبرانية أخذت تحرمهم تدريجيا حتى من ذلك الأجر البخس. وفي العام 1930 نشبت أزمة اقتصادية، كان من أسبابها إطلاق الهجرة من دون قيود. وقد أسفرت عن انتشار البطالة بين العرب إلى حد الكارثة. ولعله لا توجد تربة أكثر خصوبة من هؤلاء الفلاحين المحرومين لزرع المثل التي غرسها الشيخ القسام بعناية، والتي قرر مع أتباعه، في تلك الأمسية من أمسيات تشرين الثاني أن يحاربوا ويموتوا في سبيلها، على أن يبدأو كفاحهم خلال أسبوع واحد.
كانت حياته كلها تبدو إعدادة لهذه التضحية الكبرى بالنفس. فقد كان القسام سورية من عائلة مثقفة، وقد درس في الأزهر، مركز العلم الشرعي الإسلامي العظيم في القاهرة، وتتلمذ على يدي الشيخ محمد عبده العلامة الشهير الذي كان يقول إن العرب يستطيعون أن يواجهوا تحديات العالم الحديث عن طريق بعث إسلامي بمفاهيم جديدة. وعندما عاد القسام إلى سورية لم يقصر نشاطه على التدريس في مدرسة إبراهيم بن الأدهم الشرعية، بل اشترك في حركات وطنية عديدة، وكان قائدة عسكرية في إحدى الثورات التي قامت في سورية ضد الحكم الفرنسي. وعندما لحكم عليه بالإعدام في سورية فر إلى حيفا في العام 1922، حيث أخذ يعلم ويلقي الدروس والخطب ويقوم بالأعمال الخيرية. وأنشأ مدرسة مسائية لتعليم الأميين. وقد غين القسام (كاتبأ لعقود النكاح، لدى محكمة حيفا الشرعية الإسلامية، لذا كان يحضر احتفالات الزواج في المناطق الريفية المجاورة. وكان خشن الألفة مع الفلاحين والعمال، ويعرف تفكيرهم ومشاعرهم الداخلية. وكان القسام يحذر في كل مكان من خطر الغزو الصهيوني، ويدعو إلى التحلي بروح الوطنية المخلصة، وإنهاء الانقسامات والنزاعات الجانبية واتخاذ المثل من أبطال الإسلام الأوائل. وكان كثير الترديد لآيات القرآن، وخصوصا الآيات التي تدعو إلى الجهاد والتضحية. وكان يبحث في كل مكان، وفي المساجد بشكل خاص، عن أتباع يتحلون بالاستقامة والتقوى. وعلى مر السنين جمع حوله بعناية وصبر