الصفحة 494 من 642

بدأت تحفظات خطيرة تساور رجال السياسة في بريطانيا عن المنطق الذي تقوم عليه هذه السياسية التي يتطلب تطبيقها وسائل قاسية وكبيرة التكاليف من هذا القبيل. وقد انبثقت هذه التحفظات من إدراك بعض الجهات ذات النفوذ متأخرة أن هذه المقاومة الفلسطينية اليائسية، وإن كانت غير مثمرة في النهاية، لا بد أن تكون لها أسباب أعمق من الأسباب المعروفة والمفهومة. فقد قال مالكولم ماكدونالد وزير المستعمرات البريطاني أمام مجلس العموم، إن معظم الثوار كانوا مدفوعين بدوافع وطنية وإنه لو كان مواطنة عربية لكانت مشاعره مماثلة لمشاعرهم، وإن السياسة والقائمة على القوة، قد تنجح في إقرار الأمن ولكنها لن تنجح في إقرار السلام. وبالإضافة إلى ذلك فإن على بريطانيا أن تفكر في مصالحها الأخرى، فقد كانت غيوم الحرب نتجمع فوق أوروبا، ما جعل بريطانيا لا تستطيع أن تفرز قوات أو تخصص أموالا لمنازعات استعمارية غير ضرورية يمكن للدبلوماسية أن تضع نهاية لها، كما أنه لم تكن لبريطانيا مصلحة في استثارة عداوة العالم العربي والإسلامي كله، فهو منطقة إستراتيجية حيوية كانت تتعرض أكثر فأكثر المداهنة دول المحور، کرمي لمحميتها الصهيونية الملحفة في مطالبها. وهكذا أعلن اللورد بيل في العام 1937 أن الانتداب غير ممكن التطبيق عملية واقترح بديلا عنه تقسيم البلاد، إلا أن لجنة تحقيق أخرى برئاسة السير جون ودوورد خلصت في إبان الثورة إلى أن التقسيم أيضا غير ممكن التطبيق عملية. وفي الوقت نفسه دعت الحكومة القادة العرب واليهود إلى الاشتراك في مؤتمر مائدة مستديرة يعقد في لندن. إلا أن كل ما فعله هذا المؤتمر في شهر من العراقيل المتبادلة كان تبيان الاتساع الهائل للهوة الفاصلة بين الجانبين. وقد اجتمع ممثلو الدول العربية التي دعيت إلى حضور المؤتمر كذلك مع وايزمان. غير أن الفلسطينيين لم يجتمعوا معه، ففيما كان الآباء في العام 1914 مستعدين للاجتماع مع العدو على مائدة المفاوضات (3) لولا أن الحرب العالمية حالت دون عقد الاجتماع، لم يبي الأبناء مثل هذا الاستعداد. إذ بعد ربع قرن من الزمن أصبح عقد اجتماع للمفاوضة مع العدو يعني اعترافا بشرعية الصهيونية ومسعاها كله، وهو أمر لم يكن يقبل مجرد التفكير فيه، مثلما سنصبح الحال في مسألة الاعتراف بإسرائيل بالنسبة إلى الجيل

التالي.

اتخذ المؤتمر شكل محادثات منفصلة بين بريطانيا والعرب وبين بريطانيا واليهود، نكان بذلك صورة أولية عن المفاوضات غير المباشرة، وعن المحادثات المتقاربة، وعن والدبلوماسية الطائرة في عصر الطيران النفاث، وعن كل الأساليب الإجرائية العجيبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت