النفير فأين إيمانك بأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين؟ ولقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى الهجرة ولم يكن يجد لهم مأوى في المدينة إلا المسجد ولقد كان بعضهم يخر على وجهه فيراه الرائي فيظنه مجنونًا وما به جنون وإنما هو الجوع والجهد.
كيف ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج من بيته وما يخرجه إلا الجوع وكان يربط على بطنه حجرين من شدة الجوع, ولقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية وكانت زادهم جرابًا من تمر لم يجد لهم غيره, ولو فعل المجاهدون هذا في عصرنا لكان أول من يقف في وجههم خطباء المنابر ومُفتو الفضائيات ولوُصِفوا بالتهور واستعجال المواجهة مع العجز!
أخي هل تقعد لأنك تقول بأنك على ثغرٍ وعلى خير؟ فإنّا نظن أنك على خيرٍ إن شاء الله, ولكن هل تعلم خيرًا أعظم من أن تجاهد في سبيل الله؟ ولقد سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيح- عن عملٍ يعدل الجهاد فقال لا تستطيعه, ثم قال:"هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر", (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) .
أخي أنت على خير ولكن الله أوجب عليك أن تذب عن أعراض أخواتك وتذود عن حمى الإسلام, فلننفر ولنستغفر الله لعل الله أن يغفر عمّا سلف من قعودنا.
أخي هل خيرٌ أعظم من أن تذب عن الشريعة وتذود عن حمى الدين في وقتٍ كثُر فيه الأعداء وقلّ الناصر؟ هل خيرٌ أعظم من أن تخرج بمالك وتبذل الروح رخيصةً في مرضاة الله فتفي بالصفقة التي أجريتها مع الله حيث يقول: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) .
أخي لعل الذي يقعدك ما تراه أو تسمعه عمّا يقع فيه بعض المجاهدين من أخطاء وتجاوزات, فهل تجد في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن الخطأ يُعتبر عذرًا للقعود عن الجهاد في سبيل الله أم أن ذلك يوجب عليك واجبين: الجهاد ونصيحة إخوانك؟
قل لي يا أخي هل يوجد عملٌ بلا خطأ؟ ألم توجد الأخطاء في خير جيشٍ مشى على الأرض, جيش محمدٍ صلى الله عليه وسلم؟ في غزوة أحد انسحب ابن أُبَي بثلث الجيش خاذلين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه في أشد المواطن, فهل يقول قائل بأن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه خلل لأن جيشه مليء بالمنافقين؟
في غزوة تبوك همّت طائفة من المنافقين باغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم, فهل يقول قائل كيف نقاتل مع قائد يخطط جنوده لاغتياله؟
تأول أسامة ابن زيد رضي الله عنه فقتل رجلًا بعدما قال لا إله إلا الله, فلم يزد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن قال:"فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة", فهل عزله أو أمر باعتزاله وعدم الجهاد معه أو خطب خطبة في التشهير به؟ بل حوّله من فردٍ في سرية إلى قائد جيش وتحت إمرته كبار الصحابة رضي الله عن الجميع!
غزا خالد بن الوليد رضي الله عنه قومًا, فجلعوا يقولون:"صبأنا", ولم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا, فجعل خالد يقتل فيهم ويأسر, فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزد على أن رفع يديه وقال:"اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد", ولم يمنع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يقول عن خالد"هو سيف من سيوف الله".
لقد كان في جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل نفسه ومن غلّ من الغنيمة ومن شرب الخمر, ولقد قُتِل والد حذيفة ابن اليمان خطأ في غزوة أحد, فهل تريد جيشًا أنقى من ذلك الجيش؟
إن الرزية يا أخا الدين أننا تتبعنا أخطاء المجاهدين وتحدثنا عنها وأشهرناها في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ونحن لم نقدم للإسلام معشار ما قدموه, تركوا أموالهم وأهليهم وديارهم ونحن بين الأهل والولد في الوطن, يلاقون الخوف والجوع وشدة الضيق ونحن في غاية الأمن والراحة ظهر فينا السمن وطغى علينا الترف. بعد كل هذا نطلب من المجاهدين أن يستجيبوا لنا عبر أجهزة التحكم من بعد وإلا فإن جهادهم غير مشروع ولا تجوز نصرتهم ولا تأييدهم بل ولا الدعاء لهم!