الحمد لله ربّ العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد:
يمر علينا هذه الأيام قرابة عام كامل منذ اندلاع الثورات المباركة في البلدان العربية، عام من ذلك الطوفان العظيم الذي قادته الشعوب المسلمة ضدّ حكّام متجبّرين وطغاة مستبدين, عام عبّرت فيه شعوب مضطهدة بأبلغ صورة وأوضح بيان عن كبت ومعاناة لعقود من الظلم والبطش والإجرام والانتهاك لحرمات الدين ولأبسط حقوق البشر.
عام كان مفصليًّا في تاريخ الأمة التي عانت على أيدي هذه الأنظمة التي جثمت على صدر الأمة بعدما قسمها المستعمرون, فبدأت الشرارة من تونس الخضراء مرورًا بمصر أرض الكنانة, ثم إلى اليمن بلاد الحكمة والإيمان, ثم أعلنت في ليبيا ثورة تاريخية في جميع أطوارها, ثم حطّت بحملها في شام الرباط.
وإنه لمن فضل الله علينا أن أحيانا إلى هذا الوقت الذي رأينا فيه مصارع الظالمين بعدما ظن البعض ظلمهم واقعًا لازمًا لهذه الأمة لا يمكن أن يزول, حتى كان الحديث عن التغيير إلى وقت قريب حديثًا عن الخيال.
وتخلى كثير من الناس عن حال هذه الأمة وأصبح أحسنهم حالًا من يردد من الأحاديث الحسنة ما هو مجرد حديث لا يؤثر في الواقع شيئًا.
عام على التحركات الشعبية العاصفة التي أطاحت بعروش الحكام الخائنين وزلزلت سلطانهم الهش, ولا يخفى على مُطلع كم هي المعاناة التي تكبدتها شعوبنا المسلمة الثائرة, وكم من التكاليف الجسام التي بُذلت ثمنًا للتغيير, فرحمةُ الله على الشهداء ونسأل الله الشفاء العاجل للجرحى, ولئن كان فيها معاناة فلقد كان فيها مكاسب عظيمة والتي لم تكن في حسبان أحد من الناس.
وإن من أعظم مكاسب هذه الثورات أنها أظهرت على الملأ ضعف أمريكا وهزالها بعد عقود من الاستكبار والغرور والعنجهية. كانت أمريكا تتدخل في شؤوننا الخاصة, فتولّي وتعزل وتنصب وتخفض وتتحكم حتى في مناهج التعليم, واليوم ها هي أمريكا ترى عملاءها يتساقطون واحدًا إثر الآخر وهي تتفرج عليهم, تتخلى عنهم وتطعن في ظهورهم, ولا تفكر في التدخل العسكري مهما كان الداعي، إن سقوط حسني أرعب اليهود ولا بدّ أن يرعب أمريكا, فمن الذي يقوم مقامه في حصار المسلمين في غزة؟ ومع ذلك لم تستطع أمريكا أن تصنع له شيئًا، إذ فيها من جراحها ما يكفيها.
كانت أمريكا تبارك وتؤيد هذه الأنظمة وتعينها وتستعين بها في جرائمها وبعدما رأت أمريكا غضبة الجماهير المسلمة اضطرت إلى التخلي عن هؤلاء الحكام ودعتهم إلى التنحي عن السلطة مع أن في ذلك من الإضرار بمصالحها, ولكن هما أمران أحلاهما مُرّ.