إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليما، أما بعد:
فقد خلق الله الدنيا وخلق معها الصراع بين الحق والباطل، تكون الحرب بينهما سجال ينال كلٌ من الآخر، والعاقبة للمتقين (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) .
ولقد جعل الله للحق نورًا يكسر حواجز الشبهات ويخترق حجب الظلمات ومن أراد الحق عرفه بنوره بشرط أن يتجرّد له مستعينًا الله في طلبه، ولحكمةٍ أرادها الله فإنّ الغلبة أول الأمر تكون للحق بحجته وللباطل بشوكته، ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ويعلم ما لا تعلمون، فينقاد السواد الأعظم من الناس للباطل لأنّ قوة عدته تعميهم عن الحق وحجته، فإذا اشتدت المغالبة وشق الصبر أبدى أهل الحق من المصابرة ما يعجز عنه أهل الباطل ليميز الله الخبيث من الطيب، فينزل النصر عند ذاك، ويستيقن المرتابون ساعتها ويدخل الناس في طريق الحق أفواجا.
إنّ كثيرًا من الناس وإن أعجبهم من الحق قوته وصفاء منهجه فإنّه لن يستجيب له ما دام للباطل شوكة، فإنّ شوكة الباطل ترهب وتصد عن سبيل الله، ولأجل ذلك أنزل الله الكتاب وأنزل الحديد فيه بأسٌ شديد، كتابٌ يهدي وسيفٌ ينصر، فبالكتاب يستجيب طالب الحق وبالسيف يكون للمسلمين كيانٌ يحميهم وتُكسر شوكة الباطل فتزول رهبته من قلوب الناس، وعند ذلك من شاء أن يدخل في الإسلام فعل ومن شاء أن يبقى على دينه خاضعًا لسلطان الإسلام فله ذلك بشرط أن يدفع الجزية عن يدٍ وهو صاغر، وفي هذا قال الله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) .
ولذلك كانت العلاقة بين العلم والقتال علاقة تكاملٍ لا انفصام فيها، إذ القتال بلا علمٍ مآله إلى الانحراف، والعلم الذي لا قوة له تحميه يتحكم فيه الباطل فيقيده كيف يشاء.
والحق ليس وإن علا بمؤيدٍ * حتى يحوِّط جانبيه حسامُ
ولقد كان هذا واضحًا جليًا في دين الإسلام، فلم يفهم المسلمون أنّ طلب العلم يعني القعود عن الجهاد أو أنّ الجهاد يتعارض مع العلم، ولم يكن العلماء ينأون بأنفسهم عن ميادين القتال، يكفي دلالةً على ذلك هدي الحبيب عليه الصلاة والسلام فقد كان الشجاع السبّاق إلى مواطن المخافة، ويكفي دلالةً على ذلك قوله -بأبي هو وأمي-:"والذي نفس محمدٍ بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل"ولم يكن يرى الجهاد مضيعةً للوقت أو اشتغالًا بمفضول الأعمال بل كان يراه أفضل ما يبذل فيه الوقت، فقال:"والذي نفس محمدٍ بيده لولا أن يشق على المؤمنين ما قعدت خلاف سريةٍ تغزو في سبيل الله أبدا ولكن لا أجد سعةً فأحملهم ولا يجدون سعةً ويشق عليهم أن يتخلفوا عني".