لقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يربي أصحابه ويجتهد في تهيئتهم ولم يكن يشح بأصحابه عن مواطن النزال بحجة أنها محرقة أو مضيعة للكوادر بل كان يبذلهم لها بل ولها يعدهم، ولم يكن يبخل عليها بأحد إذ كيف يمنعهم من الخير؟!
تهر الدلالة على ذلك من وقعة بئر معونة حيث أرسل فيها سبعين من أصحابه وكانوا جميعًا من القرّاء أرسلهم بعد بضعة أشهرٍ من غزوة أحد ثم جاءه الخبر أنهم قُتِلوا جميعا. ولو كان بعض قومنا حاضرًا لقال له: أما استوعبت الدرس في أحد حتى تغامر بهؤلاء؟!
في غزوة تبوك استنفر عليه الصلاة والسلام المسلمين جميعا بقرّائهم وفقهائهم فلم يكن هناك استثناءٌ للعلماء وطلبة العلم.
لم يكن في المسلمين أحب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أبي بكر رضي الله عنه ومع ذلك لم يكن يشح به عن القتال بل كان يبعثه كما يبعث غيره، كان يخرج مع الرسول صلى الله عليه وسلم في غزواته وكان يبعثه أميرًا ومأمورا، قائدًا وجنديا، ولم يكن يراه أرفع من المشاركة في القتال.
كان حب الرسول صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة رضي الله عنه عظيما ومع ذلك كان يرسله في المغازي بل أرسله أميرًا في مؤتة في مغامرةٍ يغلب على الظن عدم رجوعه منها، وقد حدث ذلك، بل وأرسل معه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه مع أنه قدِم قريبًا من الحبشة، فقد كان عظيم حبه لهم يجعله يدفعهم إلى التجارة الرابحة التي تنجي من العذاب الأليم.
ولقد تلقى الصحابة رضوان الله عليهم هذا المنهج عن رسو الله صلى الله عليه وسلم فكانوا يتسابقون إلى القتال ولم يكتفوا بالتحريض على القتال والإشراف عليه وهم في مساجدهم ومكتباتهم وإنما كانوا يدرِّسون العلم في المساجد وإذا سمعوا الهيعة طاروا إليها مجيبين داعي الله فلا تقرأ سيرهم إلا وتجد فيها أوسمة الشرف بذكر الغزوات التي شهدوها، وكثيرًا ما كانت تُحل بقولهم:"شهد المشاهد كلها"وتختم بذكر الوقعة التي قتلوا فيها.
في حروب الردة قُتِل كثيرٌ من الصحابة وقُتِل كذلك كثيرٌ من حملة القرآن وهذا ما دعاهم إلى جمع القرآن ولم يدعُهم ذلك إلى الاستئثار بأهل القرآن عن مواطن القتال، وتتبع سيرهم في ذلك يطول، فكما كانوا رهبان الليل فقد كانوا فرسان النهار، وعلى نفس منهجهم سارت الأمّة حيث كان المؤمنون يقومون بالجهاد جميعا ولم يكونوا يميزون أحدًا عن أحد وكانوا يرون الجهاد شرفًا وأجرًا يستبق إليه العالم وغيره، فمن تتبع السير وجد كثيرًا من العلماء جمعوا بين العلم والجهاد، وكان من لم يجاهد من العلماء اعترف بعظيم الفضل الذي فاته، وإنّ التتبع لسيرهم يطول ولكن نستعرض بعض النماذج، فمن ذلك:
طارق بن شهاب -رحمه الله-، فقد قال عن نفسه: غزوت في خلافة أبي بكر وعمر بضعًا وثلاثين أو بضعًا وأربعين من بين غزوةٍ وسرية. وقال عنه الذهبي: ومع كثرة جهاده كان معدودًا من العلماء.