لتحمل أي قدرٍ من المخاوف التي هي لازمةٌ للجهاد، حتى دفعهم ذلك إلى الاستمساك بالحكام الذين يقرون بأنهم خونةٌ عملاء ودفعت المخافة كثيرًا منهم إلى أن يكون من جند الطغاة، وإذا قام داعي القتال قريبًا من أحدهم كان جوابه: إنّ بيوتنا عورة (وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا) .
ولم يقف قعود كثيرٍ منهم عند خذلان المستضعفين من المؤمنين أو ترك قتال الحكام الخونة بل تجاوز ذلك إلى القعود عن دفع الصائل من المحتلين الأجانب ومن تتبع البلاد التي وقع فيها احتلالٌ مباشرٌ لبلاد المسلمين أو وقعت فيها هجماتٌ من الرافضة وجد كثيرًا من الرموز العلمية اكتفت بالنزوح لما حصل الاحتلال ومنهم من قاتل قليلًا ثم انسحب ناويًا القعود لا الكر، مكتفيًا بمتابعة القتال والتحريض عليه من داخل مكتبته أو فندقه.
خلفت خلوفٌ نراهم يتحدثون عن الحرب الطائفية ويحذرون منها بعدما تلقوا هذا المصطلح من شخصياتٍ قوميةٍ وطنية وقنواتٍ فضائية، يحذرون من الحرب الطائفية تحذيرًا يدل على أنهم لا يريدون القتال ولو كان مشروعًا في دين الله.
وختامًا، لن أستغرب لو أنّ أحدهم كتب مقالةً يرد علي فيها يسرد أسماء علماء ماتوا ولم يشهدوا في حياتهم قتالا، ولست أنكر وجود هذا بين العلماء ولا أدعي أنهم قليل، ولكن الذي أنكر وجوده أن يكون من بين علماء المسلمين من قلل من شأن الجهاد أو نهى عن قتال الأعداء الغزاة لبلاد المسلمين، أو دعا المسلمين إلى الدخول في شُرطهم، أو اشترط لدفع التتار أو الصليبيين إذن عملائهم في بلاد المسلمين، أو أجاز الدخول في الجيوش الغازية لبلاد المسلمين، أو أجاز لحاكمٍ أن يتواطأ مع الكفار لحصار طائفةٍ من المسلمين، أو أجاز إقامة قواعد عسكرية للكفار في بلاد المسلمين -فضلًا عن جزيرة العرب-، أو أوجب على الناس طاعة الحاكم الكافر إذا تغلّب، ومن ادعى شيئًا من ذلك فعليه الإثبات، أجزم بعدم وجود ذلك مع أنه قد كثر في عصرنا، خصوصًا في هذا العقد.
قارنوا بين الحالين لتعلموا سر نكسة الأمّة وأنها نكسةٌ لم تبلى الأمّة بمثلها في تاريخها، هذه النكسات لم تبلى بها الأمّة في تلك العصور ولم يرد على أذهان علمائهم أن تحصل ولو شذوذا، ولذا فلا تجدها في كتبهم ولو على سبيل الافتراض -مع كثرة افتراضاتهم وطرحهم للمسائل المحتملة-.
(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) .