فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 254

دعاني إلى ذلك القتال وكأنّ واجبه يقف عند ذلك.

عجيبٌ أمر هؤلاء كأنّ الآيات والأحاديث الكثيرة التي وردت في الأمر بالقتال والوعيد على تركه عند تعينه لم يُقصدوا بها وإنما قُصِد بها غيرهم.

إنّ بركة العلم لا تكون ما لم يقرن بعمل، وكيف لمن يحفظ فضائل الجهاد بأسانيدها أن يجد بركةً لهذا العلم وهو لم يغزُ ولو يحدث نفسه بالغزو؟ أما علموا أنّ الصحابة رضي الله عنهم قالوا -وقد كانوا يقيمون الجهاد-: لو علمنا أي الأعمال أحب إلى الله، فعاتبهم الله بقوله: (لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ * إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) فهل سيقول لنا قائل إنّ القتال في هذه الآية يشمل جهاد الكلمة؟

خلفت خلوفٌ ترى أنّ التكثر من العلم المستحب أفضل من الجهاد في سبيل الله ويعيبون على طالب العلم المشتغل في الجهاد، يتركون الشاب وما هو فيه فإذا أراد الجهاد أوصوه بطلب العلم واشترطوا عليه قبل الجهاد التكثر من العلم!

روى ابن المبارك في كتاب الجهاد بسنده عن أبي بكر بن عبد الله بن حويطب قال: كنت جالسًا عند عبد الله بن عبد الملك إذ دخل شيخٌ من شيوخ الشام يقال له أبو بحرية مجتنحٌ بين شابين، فلما رآه عبد الله قال: مرحبًا بأبي بحرية، فأوسع بيني وبينه وقال: ما جاء بك يا أبا بحرية أتريد أن نضعك من البعث؟ قال: لا أريد أن تضعني من البعث ولكن تقبل مني هذين -يعني ابنيه- ثم قال لي: من أنت؟ فقلت: أنا أبو بكر بن عبد الله بن حويطب، فقال: مرحبًا بك وأهلًا يا ابن أخي، أما إني في أول جيش -أو قال في أول سرية- دخلت أرض الروم زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعلينا ابن عمك عبد الله بن السعدي وإنّ جُلّ ما مع أميرنا من القرآن المعوذات وسورٌ من المفصّل قصار وما نلقى من الناس أحدًا فيظن أنه يقوم لنا، غير أنه يا ابن أخي ليس فينا غدرٌ ولا كذبٌ ولا خيانةٌ ولا غلول.

لم يكونوا يجعلون قلة النصيب من القرآن مانعًا من الجهاد بل ولا مانعًا من إمارة الجيوش أو السرايا، أين هذا من قومٍ اشترطوا على من عزم على النفير أن يتضلع من العلم، ونراهم يلازمون المراكز العلمية السنوات الطوال ولا يزالون بحاجةٍ إلى العلم الذي لا يصح الجهاد إلا به في رأيهم.

ولا يفهمنّ أحدٌ من كلامي أني أخذّل عن طلب العلم وحفظ القرآن أو أقلل من شأنه، فهو بلا شك من أفضل الأعمال ولكن لا يشغلنا ذلك عن واجب الجهاد، والجمع بين الأمرين ممكن.

خلفت خلوف نراهم يتحدثون عن الأمن ويعمون شأنه ويتلاعبون بحقيقة مفهومه، يتحدثون عن الأمن حديثًا مبالغًا فيه يدل على أنهم لا يستطيعون دفع أي ضريبةٍ من ضرائب الجهاد وليس عندهم أي استعدادٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت