فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 254

هكذا كانوا يوم ذل الحكام لعلم العلماء فنصر الله بهم دينه وأعزهم به، ولكن لما احتاج العلماء إلى عطايا الحكام ذلوا وضيعوا الأمانة التي اؤتمنوا عليها، هكذا كانوا وكانت حياتهم مع الجهاد مع أنّ غالب أحواهم كان الجهاد فيها جهاد طلب وليس جهاد دفع، وهذا عرضٌ يسيرٌ لبعض الأمثلة وإنما أردت عرض من جاهدوا بأنفسهم وأما كلامهم عن الجهاد وتحريضهم عليه وتحسرهم على عدم شهود مواطنه فأكثر من هذا بكثير، كان القاعد منهم يتحسر على نفسه ويقر بالفضل لمن نفر، ثم إنها خلفت من بعدهم خلوف يرون طالب العلم أعلى من أن يجاهد ويعتبرون الجهاد عمل من لا عمل له، وإذا رأوا طالب علمٍ اشتغل بالجهاد رثوا لحاله ولما أضاع فيه عمره، وأصبح الجهاد مضيعة وقتٍ بالنسبة لكثيرٍ من طلبة العلم والعلماء، ومنهم من جاء إلى الثغور فلما رأى مشقة الإعداد ومكاره القتال وقارنها بحياته في وطنه بين الكتب استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير وأدبر من حيث أتى، وأحسنهم حالًا من يقول: كلانا على خير. ومنهم من يبحث عن مطاعن يطعن بها المجاهدين ليكون مبررًا له في قعوده، حاله كحال الأعرابي الذي جعل الحمّى عذرًا في رجوعه عن هجرته. ومنهم من قالها بلسان حاله أو بلسان منطقه: لم نخلق لهذا! ولا عجب فقد خلق الله للخطوب رجالا.

ذكر صاحب كتاب"النكسة التاريخية": من صور تعطيل الجهاد عزوف أكثر علماء الأمّة الإسلامية عن المشاركة في أرض الجهاد وهذا في حد ذاته عارٌ في تاريخ الأمّة الجهادي كما أنه يعد من صور تعطيل الجهاد المعنوي لذا نجد كثيرًا من أهل العلم لا يستنكف من ذكر المجاهدين بأسماءٍ تحمل في مثانيها الغمز واللمز بطريقٍ أو آخر كشباب الجهاد، وأصحاب الجهاد، وهؤلاء المجاهدين، والجهاديين، والعاطفة الجهادية، والحماس الجهادي، وكذا اتهام المجاهدين بقلة التربية وقلة العلم إلى غير ذلك من العبارات.

خلفت خلوفٌ نرى أحدهم يشيب ويهرم والناس تشهد له أنه لم يغزُ ونحسبه لم يحدث نفسه بالغزو إذ كيف يحدث نفسه بالغزو ونحن نراه ينهى الناس عنه؟ وكيف نظن أنّه يحدث نفسه بالغزو ونحن نراه يتتبع أخطاء المجاهدين وينتقشها انتقاش الشوكة ثم يضخمها ويغض طرفه عن طغيان الطواغيت إن لم يكن ملمعًا لهم؟ (وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ) ، ولئن كان منهم من يخالفنا فيما نحن فيه من جهاد فإنهم لن يعجزوا أن يجدوا جهادًا يوافقون عليه بل ولئن كانوا يخافون حكامهم إن هم جاهدوا فإن حياتهم لم تخلو من جهادٍ لا يحاربه الحكام فقد مر بهم الجهاد الأفغاني ضد الروس وهم على حالهم خيرهم من يكتفي بإلقاء الخطب ومتابعة الأخبار زاعمًا أنه على ثغر.

في أرض اليمن كنت أكلم أحدهم وكان يخالفني في قتال الحكومة العميلة فدعوته إلى التحرك لقتال الرافضة وأن يدير الإعداد ليكوِّن شوكةً تحمي أهل السنة فاكتفى بأنه أرسل شبابًا إلى القتال في صعدة، ثم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت