فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 254

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليمًا، أما بعد:

فاللهم لك الحمد حتى ترضى، لك الفضل والمنة هديتنا للإسلام وجعلتنا من خير أمةٍ أخرجت للناس، أنزلت علينا خير كتبك وأرسلت إلينا خير رسلك وآتيته معجزةً باقية يهتدي بها كل من أراد الحق، ومن أعرض عنها فلا مرشد له (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ) ، وأما الكافرون فهم في غيهم معرضون لا يزدادون مع الوقت إلا بعدًا عن الحق.

وإنّ عداوة الكافرين للمسلمين أمرٌ لا ينكره أخو التوحيد، عداوةٌ تضطرم في صدورهم كالنار، يحاولون إخفاءها، يبدو بعضها على أفواههم وما خفي أعظم مما ظهر (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) ، يكرهون لنا الخير ولو كان محض فضلٍ من الله (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) ، يحبون لنا الأذى (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ) ، ويتمنون أن نكفر كما كفروا (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) ، (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) .

وإنّ من أبرز معالم عداوتهم لنا قتالهم إيانا، قال تعالى: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) ، وقتالهم لنا دلالة خير تدل على أننا ما زلنا على ديننا، ولقد جاء التاريخ مصدقًا هذه الآية، فوجدنا الكفرة لا يرقبون في أهل الإيمان إلًّا ولا ذمة، ووجدناهم يتعادون فيما بينهم وينسون عداواتهم إذا اجتمعوا ضد أهل الإيمان.

تفرق شملهم إلا علينا * فصرنا كالفريسة للذئابِ

ووجدنا منهم من إذا لم يقاتل أعان على القتال، وما خلت حقبةٌ من حقب التاريخ الإسلامي من قتال، فإن لم تكن أمة الإسلام طالبةً ناشرةً التوحيد كانت معتدًى عليها مستضعفةً مهانة، ولئن كان غالب حروبنا مع النصارى عبدة الصلبان فإنّ لملل الكفر الأخرى نصيبًا من الحملة على الإسلام وكأنهم يتناوبون ويتواصون على ذلك، فمن كَلَّ أو عجز قام أخوه في الكفر ليحل محله ويسد مسده، ولقد كان أشرس الحروب على الإسلام الحروب الأخيرة التي شهدها القرن الأخير، فقد اجتمعت فيها أمم الكفر وتوالت حروبهم.

وزاد من المصيبة أن لم يكن للمسلمين كيانٌ يجمعهم ولا حامٍ يذود عنهم، واشتد البلاء أن ولي أمر المسلمين من يمكِّن لأعدائهم ضدهم فاسترعي الذئب على الغنم وضاعت الرعية إذ لا راعي، وتفرق المسلمون شيعًا وأحزابًا أكثر من تفرقهم سابقًا، واشتغل بعضهم ببعض فاستراح عدوهم إذ يكفيه أن يقف موقف المتفرج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت