عند المسلمين, حتى عند بعض علمائهم, فصرتَ إذا طلبتَ مباحًا أو أنكرت منكرًا جاء الجواب بأنّ النظام يمنع هذا أو يسمح بذاك.
صحيحٌ أنّ تغيير أوضاعنا يحتاج منا إلى تضحياتٍ عظيمة, ولكنّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان يبذل الدماء رخيصةً من أجل نشر التوحيد الخالص, وإنّ الشريعة التي جاءت بحفظ النفس هي التي جاءت بالتضحية بها من أجل حفظ الدين, وهل قُتِل الكثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في سبيل نشر التوحيد, وما قُتِل حملة القرآن إلا في حرب الرِدّة.
الإشارة الثانية:
ورد في الصحيح من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إنّ الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته"ثم تلا: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) , هذه سنّة الله في الجبابرة والطغاة, فالذي أغرق فرعون وهامان, وخسف بقارون, وقتل فرعون هذه الأمّة وهو يقول لابن مسعود:"لقد ارتقيتَ مرتقًى صعبًا يا رُويعي الغنم"هو الذي أهلك السادات, وأصاب فهد بن عبد العزيز بالأمراض قبل موته ليموت موتات, وهو الذي أخزى شاه إيران, ونواز شريف, وبرويز مشرف, وبوتو, وولد الطايع, وأخيرًا ابن علي, وغيرهم كثير أحسنهم حالًا من يصيبه الموت بعبرة, ولا زلنا ننتظر المشهد ذاته على القائمة الطويلة من الطغاة المعاصرين.
هذه سُنة الله التي لا تتغير ولا تتبدل, ومن أنكرها فقد أنكر التاريخ البيّن الواضح.
ولذا فنصيحتي لمن ربط مصيره بهؤلاء الطغاة أن لا يتفانى في خدمتهم إن لم يكن بُدٌّ من العمل لهم, ولكن ليؤمِّن لنفسه خط الرجعة فإنّ الحازم مَن لا يدخل في أمرٍ إلا وقد عرف الخروج منه, فلا تكونن ملكيًّا أكثر من الملكيين, ولا طاغيةً أكثر من الطغاة, فإنّ نهاية أمرك إما أن يستهلك الطغاة كل ما عندك من خدمات فيطردوك من رحمتهم, وإما أن يأخذهم الله أخذ عزيزٍ مُقتدِر فتؤخذ معهم أو تبقى على شماتة الشامتين على أحسن الأحوال.
الإشارة الثالثة:
أخص بها مفتي آل سعود وهيئة كبار العلماء وإلى مَن لم يزل يضفي الشرعية على حكومة آل سعود, هاهو طاغية تونس الذي حارب الناس في دينهم وأفسد عليهم دنياهم, حارب المحجّبات في حجابهن, والمصلين في صلاتهم, حتى صار إضاءة الأنوار في البيت وقت الفجر تهمة يستحق صاحبها من أجلها المراقبة؛ لأنها دليلٌ على أنه يصلي الفجر! هذا الذي جعل من نفسه حاكمًا فوق