الشيخ حارث النظاري:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. أما بعد:
قال الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا*يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} .
أرشد الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين إلى التقوى وإلى أن يقولوا القول السديد. والكلام المسدد: الكلام المناسب للحاجة في القدر والكمية والكيفية، مثل السدّادة التي تكون للقارورة، سدّادة، إذا كبرت قليلًا ما صلحت! وإذا صغرت ... !
فتحتاج السدّاد، فقال الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} .
القول السديد، إذا هُدينا للتقوى وللقول السديد؛ قال الله سبحانه وتعالى: {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ... } اجتمع أمران بالتقوى والقول السديد؛ إصلاح الأعمال ومغفرة الذنوب.
{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} .
القول والكلمة لها ميزان، ولها ثقل، عند الناس وعند الله تبارك وتعالى، فالكلمة الطيبة لها عند الله سبحانه وتعالى، ترفع المؤمن درجات، والكلمة السيئة، والكلمة السوء، والكلمة الفاسدة تهوي بالعبد في دركات الجحيم كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كلمة لا يلقي لها بالًا ترفعه عند الله درجات، وكلمة لا يلقي لها بالًا تهوي به في النار -والعياذ بالله- بسبب كلمة من الكلمات.
والله سبحانه وتعالى أمرنا أن نقول الكلام الأحسن، قال الله سبحانه وتعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} فعندنا كلمة حسنة، وكلمة أحسن، وكلمة سيئة، وكلمة أسوأ. المطلوب لا أن تقول الكلمة الأسوأ -بعض الناس يبحث في قاموسه عن الكلمة الأسوأ- لا .. ليس مطلوب أن تقول الكلمة الأسوأ أو الكلمة السيئة ولا الكلمة حتى الحسنة، إنما يقول الله لعباده قولوا التي هي أحسن، لماذا؟ إذا لم تقُل الكلمة الأحسن وقلت الكلمة الحسنة فقد يكون فيها مدخل للشيطان لإفساد ذات البين {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ} فإن لم تقل الكلمة الأحسن هناك مجال للشيطان لإيغار الصدور، وكثيرٌ هم الشياطين، شياطين الإنس والجن، فربّ كلمة يسيرة تحتمل، يطير بها الأشرار من البشر، ويدخلون بها في إيغار الصدور وفي تفريق الجماعات وفي إفساد ذات البين، والشيطان ينفث في الصدور، ناتج عن ماذا؟ عن عدم قول الأحسن.
وآثام اللسان كثيرة، من أخبثها الغيبة والنميمة.
الغيبة: ذكر أخاك بما يكره هو، يكره هذه الصفة لا تذكرها.
أما النميمة فهي أخبث: وهي القالة بين الناس، نقل الكلام بين الناس للإفساد بينهم، وهذا عمل شيطاني، الإفساد بين المؤمنين عمل الشيطان، والذي يقوم بهذا العمل هو مندوب الشيطان الرجيم -والعياذ بالله- كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنّ الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم"فهذا رسول الشيطان ورسول إبليس، ما وظيفته؟ إيغار الصدور وإثارة الأحقاد، وبثّ الفرقة بين المسلمين، مذموم الكلام!
إذا كان ليس الكلام إنما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم"ينظر للمسلم باحتقار وازدراء، هذا يكفيه من الشر، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم".
أما الإنسان إذا استفاضت عدالته، وشهد الناس له بالخير وتكلم الناس عنه بالصلاح سواء من العلماء أو أهل الفضل أو أهل الجهاد، فالكلام فيهم حذّر منه العلماء من قديم الزمان، حتى اشتهرت المقالة المعروفة لابن عساكر:"لحوم العلماء مسمومة"لأن الطعن فيهم -في العلماء وأهل الفضل وأهل الصلاح- فيه من المفاسد الكثيرة.
والاستهانة بأهل الخير وأهل الصلاح وأهل العلم وأهل الفضل، ليس من شعائر الإسلام، من شعائر الإسلام: توقير ذي الشيبة المسلم، ما عنده شيء، ما سوّى شيء، هو مسلم متقٍ، مسلم عادي، ليس من أهل الفضل الكثير، لا .. لكن توقير هذا الرجل الصالح، أو هذا الرجل المؤمن، لأنه شيبة شاب في الإسلام، فتوقيره من شعائر الدين.
فكيف إذا كان هذا الرجل ذو الشيبة وذو الفضل بلغ من السن ومن التجربة ومن التضحية في دين الله ومن نصرة الدين ومن العلم، منهم علماء من قبل أن نأتي إلى الدنيا، وهم في العلم والفضل والخير والصلاح. فحفظ لهؤلاء الناس مكانتهم ومنزلتهم أمر عظيم وهو من شعائر الإسلام.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لطاعته وأن يصرف عنا معاصيه، آمين، وجزاكم الله خيرًا.