الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الصادق الأمين نبينا محمدٍ وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد:
فاللهم لك الحمد؛ خلقتنا على الفطرة وأنشأتنا على الإسلام وحببت إلينا الإيمان وزيّنته في قلوبنا وكرّهت إلينا الكفر والفسوق والعصيان، اللهم فاجعلنا من الراشدين.
نعمة الإسلام لا تعدلها نعمة، وهي سر الوجود، وهي النعمة التي إن سُلِبها العبد أصبح كالأنعام، وقد صدق من قال: ما أعظمه من دين لو كان له رجال، وما أعظمه من دين لو سعى أهله في إعزازه.
ياله من دينٍ عظيم نظّم جميع شؤون الحياة، ووفّق بين المصالح العامة والخاصة في تناسقٍ عجيب، ولم يدع شيئًا من جوانب الحياة إلا وضبطه وهذّبه، فما من ساعةٍ من ساعات الحياة إلا ومعنى الإسلام فيها ظاهر من حين يستيقظ العبد إلى أن ينام، بل إنّ أحكام الإسلام تدخل في حياة العبد حتى في نومه، فالرؤى التي يراها النائم يحكم عليها الإسلام؛ فصنفٌ منها لا اعتبار له، وصنفٌ يُستبشر به ولا يبنى عليه أحكام، وصنفٌ يجب التطهر منها، فأي دينٍ أعظم من هذا الدين؟
وإنّ المسلم الحق الذي يعبد الله حق العبادة هو الذي يأخذ الدين كما جاء من الله لا يراعي فيه هوى نفسه ولا رغبات البشر ولا يقدِّم بين يدي الله ورسوله آراء البشر وحثالة أفكارهم.
إنّ المسلم الحق الذي يأخذ أمر الله بلا تردد وإنما يكفيه أنه أمرٌ من الله ليُسلِّم له، يقول الحق سبحانه: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [1] بل وفوق ذلك لا بد من التسليم التام (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [2] فلا بد من زوال الحرج من النفس والتسليم المطلق حتى يصح الإيمان.
(1) - الأحزاب 36.
(2) - النساء 65.