فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 254

إنّ الله لمّا قال لنا: (ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَآفَّةً) قال بعدها: (وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) [1] ، إنّ الشيطان قد دخل على بعض المسلمين فتركوا بعض ما أمر الله به إما خوفًا من الكفار أو هروبًا من مذمتهم، إنّ رزية الرزايا في هذا العصر أنّ تحكيم الشريعة غُيِّب عن حياة المسلمين وتحكم الكفار في ديننا فألزمونا بالتحاكم إلى قوانين يَسُنُّها البشر ويُعبد فيها غير الله، وخضع المسلمون لذلك حتى خفي أمر تحكيم الشريعة عن كثيرٍ من المسلمين، وعاش المسلمون وضع العلمانية وكثيرٌ منهم لا يشعرون.

إنّ الغرب يخاف من الإسلام خوفًا شديدًا، وليس يخاف من الصلاة والصيام، وإنما خوفهم من تحكيم شريعته كاملة، لأنهم يعلمون أنه ينزع سلطانهم ليكون السلطان لله وحده، وأنّ ذلك يعني أن تكف أيديهم عن المسلمين فلا يتحكمون ببلاد المسلمين ولا يأخذون من ثرواتهم شيئًا إلا بثمنه، إنّ الغرب يعرف ذلك حق المعرفة ولذا فإنه لن يترك تحكيم الشريعة يأخذ طريقة وهو يجد إلى منعه سبيلًا، ولا بد أن يقف دون ذلك ما استطاع.

لقد غفل عن هذه الحقيقة الواقعية أو تغافل كثيرٌ من دعاة المسلمين وظنوا أنهم من خلال خطبٍ منبرية ومحاضراتٍ توعوية وبعض مطوياتٍ توزع على الناس سيصلون إلى تحكيم الشريعة بلا ثمنٍ يدفعونه، ونظَّر لذلك بعضهم بأنهم إذا وعّوا الشعوب بضرورة تحكيم الشريعة فإن الشعوب التي ضغطت على الحكومات حتى أسقطت طغاتها قادرةٌ على الضغط عليها لتحكيم الشريعة وخلعها إن رفضت تحكيم الشريعة، ووالله لقد تمنيت أن يكون كلامهم حقًّا ولكني نظرت إلى الواقع بعين عقلي فلم أستطع استيعاب هذا الكلام، فإنّ الغرب قد يقبل استبدال عميلٍ بآخر ولو كان أقل منه عمالة كما هو الحال في الثورات التي تمّت، لكن الذي لا يمكن أن يقبله أن يزول عميلٌ ويقوم مكانه حكمٌ على الشريعة الإسلامية يزيل هيمنة الكافرين على بلاد المسلمين ويعاملهم بالندية وليس التبعية، وسيبذل النصارى قصارى جهدهم لحرب هذا الحكم.

كنت مرةً في مجلس حوار، طرحت سؤالًا على أحد الفضلاء: أتظن أنّ الشريعة ستُحكَّم بلا قتال؟

فأجاب بالموافقة، وطفق يستدل بمراسلات الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى أمم الكفر، فلولا أنّ الكتب تجدي لما فعلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم!

عجبت من كلامه وما بي الجهل بكتب رسول الله -عليه الصلاة والسلام- وإنما هذا الكلام يدل على جهلٍ بحوادث الواقع.

قال سيد قطب رحمه الله:"وليت هنالك طريقًا سهلًا عن طريق تحول الجماهير بجملتها إلى الإسلام منذ أول وهلةٍ في الدعوة باللسان وببيان أحكام الإسلام، ولكن هذه إنما هي الأماني، فالجماهير لا تتحول أبدًا من"

(1) - البقرة 208.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت