فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 254

ذلك تسليمًا , والحرب خدعة , وهذا تسجيل العملية نشره آل سعود ليكون شاهدًا عليهم , ومن اعتبر ذلك غدرًا فما عرف الفرق بين الغدر والخدعة , إن الخدعة هي إيهام العدو والتلبيس عليه , أما الغدر فهو ما كان بعد عهد وميثاق , فهل يعقل ذلك من تكلم وحكم بناء على تقرير وزارة الداخلية؟ ولو كان صادقًا في إدانة الغدر لأدان غدر محمد بن نايف بعلي الفقعسي وغيره من ضحايا الغدر , فهل محمد بن نايف غُفر له ذنبه أم رُفع عنه القلم؟!

لقد انتدب محمد بن مسلمة لقتل كعب بن الأشرف , ولما قابله فوضه على أن يسلفه ثم وعده أن يأتيه في نفر من أصحابه , ولما أتوه تماشوا وإياه قليلًا ثم استأذنه محمد أن يشم رأسه حيث تفوح ريح العطر , فأذن له فشم , ثم استأذنه أن يشم أخرى فإذن له , فلما استمكن منه قال دونكم عدو الله فقتلوه , فهل كان ذلك غدرًا أم أنه من نفس الخدعة التي خُدع بها محمد بن نايف؟ وانتدب عبد الله بن أنيس رضي الله عنه لقتل خالد الهذلي فقتله بعدما أظهر له أنه جاء ليقاتل معه , فهل كان ذلك غدرًا أم هي الحرب والمكيدة؟ مع أن في القصة ضعفًا لكن يستأنس بها , ولقد قام عبد الله بن عتيق بقتل ابن أبي الحقيق وهو في بيته بين أهله بعدما فعل ما أوهم بواب الحصن أنه من أهل الحصن , فهل يقال أن ذلك غدر؟ لقد حرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل اليمن على قتل الأسود العنسي فقتله فيروز الديلمي بعد ما أظهر متابعته , فقال رسول الله صلى الله عليمه وسلم:"قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين", وقال الطبري في ذلك: إن فيروز ومن معه احتالوا على الأسود وأظهروا متابعته حتى تمكنوا من قتله غيلة وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على فيروز.

رابعًا:

لقد أظهرت العملية إفلاس كثير ممن يُحسبون على العلم الشرعي وكشفت عمالتهم للسلاطين , فتكلموا بما يرضي سلاطينهم , ولم يكن في كلامهم ريح الإنصاف , وزاد سوؤهم عندما ضللوا الناس ولبسوا الحق بالباطل , ظهروا في القنوات يحمدون الله على سلامة من يشهد القاصى والداني أن أقل أحواله الفسق والظلم , وأنه لو مات لاستراح منه البلاد والعباد والشجر والدواب , وتمادى بعضهم حتى وصفوه بالمجاهد! وهو من هو في حرب الجهاد وأذية المجاهدين , وليس في ذلك عجب فقد قال ابن المبارك رحمه الله: وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبارُ سوء ورهبانها , لو كان هؤلاء صادقين في إنكارهم لهذه العملية لقالوا كما قال الله: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ} فمن الذي تخفى عليه جرائم طغاة آل سعود؟! لكنهم طلبوهم رغبة ورهبة فتكلموا فيما يرضيهم وسكتوا عما سوى ذلك.

إن علماء السوء الذين كانوا في بني إسرائيل لا بد أن يكون لهم في أمتنا خلف , إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيح:"لتتبعن سنن من كان قبلكم", وإني أقول لهؤلاء: لا شك أنكم تخافون من الصدع بالحق لأن الصدع بالحق سيؤدي بكم إلى الحائر والرويس وغيرهما من سجون المباحث , ولكن إذا كنتم تدعون العجز عن الصدع بالحق فإن ذلك لا يجيز لكم الجهر بالباطل والتلبيس على الناس , فاتقوا الله في آل سعود ولا تتقوا آل سعود في الله , إن شمس آل سعود التي تستضيؤون بها أشرقت بعد مغيب وستغيب بعد شروقها فأرضوا الله على كل حال فهو الذي يدوم سلطانه ولا يزول ملكه , وكأني بكم إذا أعز الله دينه وأظهر المجاهدين أعدتم مثال سلفكم {وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} .

إن تقرير مثل هذه المسائل لا نريد أن نسمعه في قنوات آل سعود لأنه لا بد أن يكون في صالحهم , وليس أهلًا لتقريره من يأخذ الإذن في الفتوى ونشر العلم من آل سعود لأنه لن يعارضهم , ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت