كذلك الحياة التي أمر الله جل وعلا بإثباتها في الإنسان وإقامتها فيه، وهي حياة العبودية الحقيقة، فإذا بلغ إليه خبر من الأخبار أن الله جل وعلا بعث نبيًا أو أتى بحكم من الأحكام التكليفية التي يجب على الإنسان أن يبادر إليها ويمتثلها، وجب عليه أن يسمع ولو كان الخبر ظنيًا، ولا يلزم من ذلك أن يأتي الخبر اليقين للإنسان، لهذا الله سبحانه وتعالى عذر المشركين حتى يصل إليهم كلام الله، فإذا وصل إليهم كلام الله ولو لم يفهموه، أقام الله جل وعلا عليهم بذلك الحجة، وهذا ظاهر في قوله سبحانه وتعالى: ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة:6] ، أي: اجعل بينك وبينه أمانًا، ثم بعد ذلك يكون بينك وبينه السنان. ولهذا أمر الله سبحانه وتعالى بترويض الناس على الحق، كما في قوله جل وعلا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] ، قال عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى: إلا ليعبدوني طوعًا أو كرهًا، فالإنسان مأمور بعبادة الله سبحان وتعالى، والطواعية هنا بالطواعية القلبية أن يجد الإنسان في نفسه انشراحًا على الخير ونحو ذلك، أو يجد الإنسان في نفسه انقباضًا من اتباع الخير، وجب عليه أن يأطر النفس وأن يكرهها على ذلك الحق، فإن النفس أمارة بالسوء، وهذا ما يسمى بالإكراه المعنوي. أما ما يسمى بالإكراه الحسي وهو أطر الناس بالقوة على الحق، والناس يتباينون في ذلك، وهو باب عظيم الدرجات في هذا، منه ما يتعلق بغير المكلفين، لهذا أمر الله جل وعلا ولي أمر الصبي أن يأمره بالصلاة وهو ابن سبع سنين، وأن يضربه عليها وهو ابن عشر، وهذا نوع من أنواع الإكراه؛ لأن من لم يمتثل ذلك لا يدرك تلك الحقيقة من جهة ثمرة ذلك الفعل ولا العاقبة في حال تفريطه، إما لضعف عقله أو لضعف أهليته، ولو كان الرجل يدخل في هذا الحكم لو كان الرجل كبيرًا.