فقال: هذا يقوي هذا، ولم يره خلافا ولا ضعفه.
قلت: في هذه القصة فوائد:
1.وقوع الفتوى في زمن التابعين بمقتضى الحديث.
2.يبدو أن هذا الأمر لم يكن مشهورا، بدليل أن سعيدًا يحدَّث بفتوى في خراسان، ثم يسأل عن حكم المسألة ودليلها.
3.فيه تصريح سعيد بن المسيب بموافقته لهذا الفتوى.
4.فيه بيان مأخذ الفتوى به، وهو أنه قول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما يعزز وقف الحديث وعدم رفعه، إذ لو كان عنده ثابتا مرفوعا لما احتاج إلى الاحتجاج بأقوال الصحابة.
ومما ورد في الباب من فتوى الصحابة به: ما جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «إذا دخل العشر واشترى أضحيته أمسك عن شعره وأظفاره» ، قال قتادة: فأخبرت بذلك سعيد بن المسيب، فقال: كذلك كانوا يقولون.
الحدث الثالث: عكرمة والنقد القياسي للحديث:
أخرج النسائي حديث أم سلمة من رواية شريك عن عثمان الأحلافي، عن سعيد بن المسيب قال: «من أراد أن يضحى, فدخلت أيام العشر , فلا يأخذ من شعره , ولا أظفاره، قال عثمان: فذكرته لعكرمة, فقال: ألا يعتزل النساء والطيب!!» .
قلت: هاهنا ينتقد عكرمة تلميذ ابن عباس: فتوى سعيد بن المسيب من عدم الأخذ من الشعر والظفر لمن أراد أن يضحي، واستعمل في نقده لهذه الفتوى الأدوات القياسية، فقال: إن كان هذا الحكم تشبها بالمحرم؛ أفلا يعتزل النساء ويجتنب الطيب كما يصنع المحرم؟! فإن هذا مقتضى القياس، أما وقد تركوه فإنه يدل على فساده، فتبعيض القياس من غير معنىً يلوح أو يتخيل إشارة بيِّنة على وهنه.
وقد أجمع العلماء - كما يقول الطحاوي وابن عبد البر: على أن الجماع مباح في أيام العشر لمن أراد أن يضحي، فما دونه أحرى أن يكون مباحا.
-مرحلة ما بعد سعيد بن المسيب:
يمكن تلخيصها في حدثين هامين:
هذه المرحلة وقع فيها الاختلاف: هل الحديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ أو أنه موقوفٌ على أم سلمة؟ أو أنه من فتوى سعيد بن المسيب من قوله؟
وقد أشار الإمام مسلم إلى شيء من هذا الاضطراب الواقع في رواية الحديث، فنقل عن سفيان أنه قيل له - وهو أحد رواة الحديث -إن بعضهم لا يرفعه؟ فقال: لكني أرفعه.
وقد ساق الإمام مسلم والإمام النسائي جملة من هذه الآثار، وقد صحح أحمد، ومسلم،