والترمذي، وابن حبان، وابن حزم: الحديث مرفوعا.
بينما جزم بوقفه: الدارقطني في العلل، وابن عبد البر في التمهيد، وقبلهم الطحاوي في شرح معاني الآثار في قوله القديم الآثار لما كان يقول بقول الجمهور.
فأهل الكوفة على الجواز، ولم يقولوا حتى بكراهة الأخذ.
عن الليث بن سعد، وهو فقيه أهل مصر، حين ذُكر له حديث أم سلمة قال: قد رُوي هذا, والناس على غيره.
وقد ذكر عمران بن أنس: أنه سأل مالكا عن حديث أم سلمة هذا، فقال: ليس من حديثي، قال: فقلت لجلسائه: قد رواه عنه شعبة وحدث به عنه وهو يقول: ليس من حديثي فقالوا لي: إنه إذا لم يأخذ بالحديث قال: فيه ليس من حديثي.
ومن هنا ندرك صدق مقولة ابن عبد البر رحمه الله أن سائر فقهاء المدينة والكوفة على الجواز.
-ولادة القول بالكراهة:
جاء الإمام الشافعي، فحاول الجمع بين ما جاء في الأثر وبين الأخذ بالقياس وما عليه عمل الناس، وما يعضده من عموم حديث عائشة رضي الله عنها، فصار إلى القول بالكراهة، فهو يقف موقفا متوسطا بين القائلين بالجواز والقائلين بالتحريم.
ولعل هذا هو قول ابن عمر رضي الله عنهما، فإنه: (مر بامرأة تأخذ من شعر ابنها في الأيام العشر، فقال: لو أخرتيه إلى يوم النحر كان أحسن) ، مع ما فيه من ملاحظة أن المنع إنما يلحق المضحي لا غيره، بينما أشار هنا إلى تأخير حلق شعر الصبي، والصبي لا يقع منه التضحية عادة.
ثم تبع الإمامَ الشافعي: على الكراهة أصحابُه، وكذا: المتأخرون من أصحاب الإمام مالك، فاستقر مذهبهما على كراهة ذلك.
مرحلة إعادة إحياء القول بالتحريم:
جاء الإمام أحمد، فأخذ بظاهر حديث أم سلمة رضي الله عنها، وهو مَنْ تحمل عبء إظهار هذا القول، والفتوى بموجبه بعد سعيد بن المسيب، ووافقه على ذلك إسحاق بن راهويه.
قال أحمد: ذكرت لعبد الرحمن بن مهدي حديث عائشة، وحديث أم سلمة، ولم يأت بجواب، فذكرته ليحيى بن سعيد، فقال يحيى: ذاك له وجه، وهذا له وجه، حديث عائشة إذا بعث بالهدي، وأقام وحديث أم سلمة إذا أراد أن يضحي بالمصر.
قال أحمد: وهكذا أقول، قيل له: فيمسك عن شعره وأظفاره؟ قال: نعم، كل من أراد أن يضحي، فقيل له: هذا على الذي بمكة؟ فقال: لا، بل على المقيم.
قيل له: إن قتادة يروي عن سعيد بن المسيب: (أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا إذا اشتروا ضحاياهم أمسكوا عن شعورهم وأظفارهم إلى يوم النحر) ، فقال: هذا يقوي هذا، ولم يره خلافا ولا ضعفه.
والقول بتحريم الأخذ من الشعر والظفر لمن أراد أن يضحي: من مفردات الإمام