الصفحة 5 من 7

أحمد.

ثم أخذ بهذا القول بعد ذلك: أبو جعفر الطحاوي في آخر قوليه، وأهل الظاهر متمثلين بداود وابن حزم.

وخلاصة تاريخ هذه المسألة:

يمكن اعتباره بسعيد بن المسيب الذي روى حديث الباب، وأفتى بموجبه، وكان مشهورا عنه دون غيره، ثم خمل هذا القول، ولا يكاد يضاف إلى أحد بعده إلا ما قيل عن ربيعة الرأي، أما فقهاء المدينة ومكة والكوفة ومصر فلم يقولوا بمقتضاه من الحظر، وينبغي أن يشار هاهنا أن القول بالكراهة يندرج في الجواز، ثم اشتهر القول بالحظر عن أحمد وإسحاق به، ثم أهل الظاهر، ووافقهم عليه الطحاوي في آخر قوليه.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «فتَلْتُ قلائدَ بُدْن النبي صلى الله عليه وسلم بيديَّ, ثم قلَّدها, وأشعرها, وأهداها, فما حَرُم عليه شيءٌ كان أُحِلَّ له» ، وفي رواية: «ثم لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المُحْرِم» .

قال ابن عبد البر: في حديث عائشة أيضا من الفقه ما يرد حديث أم سلمة ويدفعه.

وبيَّن ذلك الشافعي فقال: البعث بالهدي أكثر من إرادة التضحية, فدلَّ على أنه لا يحرم ذلك.

وقال الماوردي: لما أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرم هديًا, ولم يحرِّم على نفسه شيئًا: كان غيره أولى إذا ضحى في غير الحرم.

وذكر الطحاوي: أن مجيء حديث عائشة رضي الله عنها أحسنُ من مجيء حديث أم سلمة رضي الله عنها, لأنه قد جاء متواترًا، وحديث أم سلمة رضي الله عنها لم يجئ كذلك, بل قد طُعن في إسناده, فقيل: إنه موقوف على أم سلمة رضي الله عنها.

لكن أجاب الحنابلة والظاهرية والطحاوي عن حديث عائشة رضي الله عنها:

1.بأنه عام، وحديث عائشة خاص في محل النزاع، فيقدم في موضعه، ويحمل حديث عائشة على ما لا يتناوله حديث أم سلمة من الجماع والطيب ونحو ذلك.

2.أن عائشة رضي الله عنها تخبر عن فعله صلى الله عليه وسلم، وأم سلمة رضي الله عنها تخبر عن قوله صلى الله عليه وسلم، والقول يُقدَّم على الفعل, لاحتمال أن يكون فعله خاصًا به.

3.أن عائشة رضي الله عنها تعلم ظاهرًا ما يباشرها به صلى الله عليه وسلم من المباشرة, أو ما يفعله صلى الله عليه وسلم دائمًا, كاللباس والطيب, فأما ما يفعله نادرًا, كقص الشعر وقَلْم الأظافر مما لا يفعله في الأيام إلا مرة, فالظاهر أنها لم تُرِدْه بخبرها. وإن احتمل إرادتَها إياه: فهو احتمالٌ بعيد, وما كان هكذا: فاحتمال تخصيصه قريب, فيكفي فيه أدنى دليل, وخبرُنا دليلٌ قوي, فكان أولى بالتخصيص.

4.حمل حديث عائشة رضي الله عنها على أمر خاص, وهو مَن بَعَثَ بهديه, وأقام في أهله: فلا يكون مُحْرمًا, ولا يحرم عليه, وقالوا: إن حديث عائشة رضي الله عنها ردٌّ على من يقول بأنه يكون بذلك الإرسال مُحْرمًا.

5.أن خبر أم سلمة صريحٌ في النهي, فلا يجوز تعطيله أيضًا, فأم سلمة تخبر عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت