فضلا عن هذا فإن إفشاء السر الطبي في هذه الحالات قد يكون واجبا أو مباحا:
1 -لأنه إن كان للإخبار بوقوع جريمة علم بها الطبيب, أو طلب منه الإدلاء بما يعلم منها من خلال الفحوص والتحاليل والكشوف التي أجراها, أو أدلى بهذه الأسرار ليدفع بها تهمة عن نفسه أما جهات التحقيق, فإن هذا الإخبار مما يقتضيه تحقيق العدالة, واستئصال دابر الجريمة والمجرمين من المجتمع, وحتى لا يؤاخذ بريء ويترك ظالم, فإفشاء السر في هذه الحالة واجب, لأنه مقدمة لتحقيق أمر واجب وهو العدالة, قال الحق سبحانه: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة: 8) , ومقدمته تأخذ حكمه.
2 -وإن كان لإعلام الطرف الصحيح في العلاقة الزوجية بحقيقة مرض صاحبه, أو لإبلاغ الجهات المعنية في المجتمع بتفشي مرض معين, فإنه واجب كذلك, لأن الوقاية من المرض مأمور بها شرعا, فقد روى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يوردن ممرض على مصح» [1] , وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «فر من المجذوم كما تفر من الأسد» [2] , وفي الإبلاغ عن المرض في هذه الحالة تتخذ التدابير الخاصة أو العامة لتوقي الإصابة به.
3 -وإن كان لمنع وقوع جريمة أو للإبلاغ عن أشخاص سلوكهم يمثل خطرا على المجتمع, فهو واجب كذلك, لأن ارتكاب الجرائم محظور, ووسائل منعها واجبة, لأنه يتحقق بمنع الجرائم تحقيق مقاصد الشريعة الضرورية, وتحقيقها واجب, ولأنه يعد منعا لمنكر قد يقترف, وقد روى أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه, وذلك أضعف الإيمان» [3] .
(1) أخرجه البخاري في صحيحه 7/ 253.
(2) المرجع السابق 7/ 231.
(3) أخرجه مسلم في صحيحه 1/ 69.