إننا هنا قبالة منهج مقلوب: أن نصل الى الدين السماوي من خال الارض السفلية، وان نحظى بنعيم الكلي الخالد من خلال رؤية المحدود الفاني وفضلا عن ذلك، فان هذا الجهد المقلوب، يستنزف من العقول البشرية طاقات كبيرة وهي تعمل في غير حقها، كان أحرى ان تبذل في مجال تنمية العمران في العالم من خلال فهم هذا العالم القريب ومحاولة كشف سننه والسيطرة عليها وتسخيرها لصالح الانسان فيما هو من إختصاص العقل والحس البشريين.
أما المنهج الديني فهو على العكس من ذلك، يجعلنا نعتمد منهجا يقف دائما في وضعه الصحيح: ان السماء هي التي تمنح الارض الهدى الذي تسير فيه الى غايتها، والله سبحانه، الذي هو ادرى بخلقه هو الذي يبحث بوحيه الامين، بين الحين والحين، ينقله الانبياء الكرام الى أجيال البشرية حقبة في إثر حقبة حتى خاتم الانبياء عليهم السلام. وهكذا فأن الكلي هو الذي يقود المحدود، وان الخالد هو الذي يحدد الفاني، ما دام عالم السماء، عالم ما وراء الحس والادراكات العقلية النسبية، يند عن طاقة الانسان، وسعيه فيه لا يعدو أن يكون سعيا ظنيا، فأحرى بالعقل والحس البشريين ان يتجها للعمل في قلب العالم، في دراسة مادته وفهم علاقاته وادراك سننه.. وحينذاك سيعرف الانسان، ليس فقط الطرائق التي تمكنه من إعمار العالم كخليفة عن الله فيه، وإنما سيزداد إيماننا بالله والتزاما بوحيه الامين من خلال إدراكه لحكمة المقصودة في خلق هذا العالم، والتناسق المعجز في وظائفه وتركيبه، وهكذا فبينما ينتهي الامر بالفلسفة الى ان تقف نقيضا للعلم المجدي الفعال، وأدواته عقلا وحواسا، ينتهي الدين الى تأكيد لهذا العلم وتنشيط لادواته.