الصفحة 12 من 32

بل يحدث ما هو أبعد من ذلك: رفض لشريعة الله الموحى بها الى انبيائه (عليهم السلام) واتباع للشرائع التي يسنها العقل البشري، وابتكار طريف لمعنى النعيم والعذاب لم يقل به دين من الاديان. وهذا ما يصل اليه ابن خلدون من خلال تحليله لطرائق هؤلاء الفلاسفة في التدرج من الحسي الى ما وراء الحسي، وفي الحكم على مجريات السماء البعيدة استنادا الى ما يلحظونه في الارض القريبة.. يقول «وحاصل مداركهم في الوجود على الجملة، وما آلت اليه، وهو الذي فرعوا عليه قضايا انظارهم، انهم عثروا اولا على الجسم السفلي بحكم الشهود والحس، ثم ترقى ادراكهم قليلا فشعروا بوجود النفس من قبل الحركة والحس بالحيوانات، ثم احسوا من قوى النفس بسلطان العقل ووقف ادراكهم فقضوا على الجسم العالي السماوي بنحو من القضاء على الذات الانسانية ووجب عندهم ان يكون للفلك نفس وعقل كما للانسان. ثم انهوا ذلك نهاية عدد الاحاد وهي العشر، تسع مفصلة ذواتها جمل وواحد اول مفرد وهو العاشر (15) . ويزعمون ان السعادة في إدراك الوجود على هذا النحو من القضاء مع تهذيب النفس وتخلقها بالفضائل، وان ذلك ممكن للانسان ولو لم يرد شرع لتمييزه بين الفضيلة والرذيلة من الافعال بمقتضى عقله ونظره وميله الى المحمود منها واجتنابه للمذموم بفطرته، وان ذلك اذا حصل للنفس حصلت لها البهجة واللذة، وان الجهل بذلك هو البقاء السرمدي. وهذا عندهم هو النعيم والعذاب في الآخرة.. الى خبط لهم في تفاصيل ذلك معروف من كلماتهم» (15) .

فلا معنى لنزول الاديان اذن، ولا حاجة لاتصال الوحي ببني آدم عن طريق رسل الله سبحانه، ما دام ان مجموعة الفلاسفة قادرة بمنهجها الذي يبدأ من الاسفل ويصعد الى الاعلى، على منح الانسان الدين الذي يسعده ويبهجه! وهكذا يتبدى لنا الضرر الذي حذر منه ابن خلدون في بداية فصله هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت