فهرس الكتاب

الصفحة 764 من 960

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هِيَ بِهَذِهِ الْقُيُودِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي اعْتِبَارِهَا، وَأَمَّا ابْنُ الْمُنِيرِ، فَقَالَ: هُوَ احْتِكَامٌ مِنْ قَائِلِهِ، ثُمَّ هُوَ تصوير بِمَا لَا يُمْكِنُ عَادَةً، وَلَا شَرْعًا، أَمَّا عَادَةً: فَلِأَنَّ الْقَطْعَ فِي الْحَوَادِثِ الْمُسْتَقِلَّةِ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ؛ إِذْ هُوَ عَبَثٌ وَعِنَادٌ، وَأَمَّا شَرْعًا: فَلِأَنَّ الصَّادِقَ الْمَعْصُومَ قَدْ أَخْبَرَنَا بِأَنَّ الْأُمَّةَ لَا يَتَسَلَّطُ عَدُوُّهَا عَلَيْهَا لِيَسْتَأْصِلَ شَأْفَتَهَا1.

قَالَ: وَحَاصِلُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ رَدُّ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا، لِتَضْيِيقِهِ فِي قَبُولِهَا بِاشْتِرَاطِ مَا لَا يُتَصَوَّرُ وَجُودُهُ. انْتَهَى.

قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهَذَا تَحَامُلٌ مِنْهُ، فَإِنَّ الْفَقِيهَ يَفْرِضُ الْمَسَائِلَ النَّادِرَةَ، لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهَا، بَلِ الْمُسْتَحِيلَةَ لِرِيَاضَةِ"الْأَذْهَانِ"*، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ كَافَّةُ الْخَلْقِ، وتصوير الغزالي إنما هُوَ فِي أَهْلِ مَحَلَّةٍ بِخُصُوصِهِمُ، اسْتَوْلَى عَلَيْهِمُ الْكُفَّارُ، لَا جَمِيعُ الْعَالَمِ، وَهَذَا وَاضِحٌ. انْتَهَى.

قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَسْتُ أُنْكِرُ عَلَى مَنِ اعْتَبَرَ أَصْلَ الْمَصَالِحِ، لَكِنَّ الِاسْتِرْسَالَ فِيهَا، وَتَحْقِيقَهَا مُحْتَاجٌ إِلَى نَظَرٍ سَدِيدٍ، وَرُبَّمَا يَخْرُجُ عَنِ الْحَدِّ، وَقَدْ نَقَلُوا عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَطَعَ لِسَانَ الْحُطَيْئَةِ2 بِسَبَبِ الْهَجْوِ، فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْعَزْمِ عَلَى الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، وَحَمْلُهُ عَلَى التَّهْدِيدِ الرَّادِعِ لِلْمَصْلَحَةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى حَقِيقَةِ الْقَطْعِ لِلْمَصْلَحَةِ، وَهَذَا يَجُرُّ إِلَى النَّظَرِ فِيمَا يُسَمَّى مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً.

قَالَ: وَشَاوَرَنِي بَعْضُ الْقُضَاةِ فِي قَطْعِ أُنْمُلَةِ شَاهِدٍ، وَالْغَرَضُ مَنْعُهُ عَنِ الْكِتَابَةِ بِسَبَبِ قَطْعِهَا، وَكُلُّ"هَذِهِ"** مُنْكَرَاتٌ عَظِيمَةُ الْمَوْقِعِ فِي الدِّينِ، وَاسْتِرْسَالٌ قَبِيحٌ فِي أَذَى المسلمين. انتهى.

ولنذكر ههنا فوائد لها بعض اتصال بمباحث الاستدلال.

* في"أ": الأفهام.

** في"أ": هذا.

1 أخرجه مسلم من حديث ثوبان المطول بلفظ: وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكهم بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًّا من غيرهم فيهلكهم ولا يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض ..."كتاب الفتن، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض 2889. وأخرجه ابن ماجه، كتاب الفتن، باب ما يكون من الفتن 3952. البيهقي في السنن، كتاب السير، باب إظهار دين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الأديان 9/ 181. ابن حبان في صحيحه 6714، 7238. وأخرج بنحوه أبو داود، كتاب الفتن، باب ذكر الفتن ودلائلها 4252. وأحمد في مسنده 5/ 278. والترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في سؤال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاثا في أمته 2176."

2 هو جرول بن أوس بن مالك العبسي، شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام فأسلم، ثم ارتد، وكان هجاءً مُرًّا، لم يكد يسلم من لسانه أحد، وهجا أمه وأباه ونفسه، من آثاره: ديوان شعر ا. هـ معجم المؤلفين 3/ 128 الأعلام 2/ 118 هدية العارفين 1/ 251. كشف الظنون 1/ 785.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت