فهرس الكتاب

الصفحة 826 من 960

المسألة الثانية: حكم التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ

اخْتَلَفُوا فِي الْمَسَائِلِ العقلية، وهي المتعلقة بوجود الباري وَصِفَاتِهِ، هَلْ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهَا أَمْ لَا؟

فَحَكَى الرَّازِيُّ فِي"الْمَحْصُولِ"عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَلَمْ يَحْكِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ في"المختصر"إلا عن العنبري.

وذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز.

وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي"شَرْحِ التَّرْتِيبِ"1 عَنْ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الطَّوَائِفِ.

قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي امْتِنَاعِ التَّقْلِيدِ فِي التَّوْحِيدِ.

وَحَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ جَمِيعِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَطَائِفَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ.

وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي"الشَّامِلِ"2: لَمْ يَقُلْ بِالتَّقْلِيدِ فِي الْأُصُولِ إِلَّا الْحَنَابِلَةُ.

وَقَالَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ: لَا يُخَالِفُ فِيهِ إِلَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ.

وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنَّهَا لَا تَحْصُلُ بِالتَّقْلِيدِ؛ لِأَنَّ الْمُقَلِّدَ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا الْأَخْذُ بِقَوْلِ مَنْ يُقَلِّدُهُ، وَلَا يَدْرِي أَهْوَ صَوَابٌ أَمْ خَطَأٌ.

قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: فَلَوِ اعْتَقَدَ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِالدَّلِيلِ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ: فَقَالَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ: إِنَّهُ مُؤْمِنٌ مِنْ أَهْلِ الشَّفَاعَةِ، وَإِنْ فُسِّقَ بِتَرْكِ الِاسْتِدْلَالِ، وَبِهِ قَالَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ.

وَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ، وَجُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ: لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا حَتَّى يَخْرُجَ فيها عن جملة المقلدين. انتهى.

فيا لله الْعَجَبَ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ الَّتِي تَقْشَعِرُّ لَهَا الْجُلُودُ، وَتَرْجُفُ عِنْدَ سَمَاعِهَا الْأَفْئِدَةُ، فَإِنَّهَا جِنَايَةٌ عَلَى جُمْهُورِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ، وَتَكْلِيفٌ لَهُمْ بِمَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِمْ وَلَا يُطِيقُونَهُ، وَقَدْ كَفَى الصَّحَابَةَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ، وَلَا قَارَبُوهَا الْإِيمَانُ الْجُمَلِيُّ، وَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ، وَلَا أَخْرَجَهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِتَقْصِيرِهِمْ عَنِ الْبُلُوغِ إِلَى العلم بذلك أدلته.

1 وهو للإمام أبي إسحاق الإسفراييني شرح فيه كتاب الترتيب ولم أجد أحدا نسب كتاب الترتيب إلى مؤلفه انظر كشف الظنون 2/ 1403.

2 وهو في أصول الدين لإمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني، أبي المعالي ا. هـ كشف الظنون 2/ 1024.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت