فهرس الكتاب

الصفحة 812 من 960

قَالَ: وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ مَعَهُمَا، يَعْنِي: الْعَنْبَرِيَّ، وَالْجَاحِظَ، فَنَقُولُ:

أَنْتُمَا أَوَّلًا: مَحْجُوجَانِ"بِالْإِجْمَاعِ"* قَبْلَكُمَا وَبَعْدَكُمَا.

ثَانِيًا: إِنْ أَرَدْتُمَا بِذَلِكَ مُطَابَقَةَ الِاعْتِقَادِ لِلْمُعْتَقَدِ، فَقَدْ خَرَجْتُمَا عَنْ حَيِّزِ الْعُقَلَاءِ، وَانْخَرَطْتُمَا فِي سِلْكِ الْأَنْعَامِ، وَإِنْ أَرَدْتُمَا الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ، وَنَفْيِ الْحَرَجِ، كَمَا نُقِلَ عَنِ الْجَاحِظِ، فَالْبَرَاهِينُ الْعَقْلِيَّةُ مِنَ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ، الْخَارِجَةُ عَنْ حَدِّ الْحَصْرِ تَرُدُّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ.

وَأَمَّا تَخْصِيصُ التَّصْوِيبِ بِأَهْلِ الْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ فَنَقُولُ: مِمَّا خَاضَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ الْقَوْلُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَعْظُمُ خَطَرُهُ، وَأَجْمَعُوا قَبْلَ الْعَنْبَرِيِّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ إِدْرَاكُ بُطْلَانِهِ.

وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ الْأَصْفَهَانِيِّ، إِمَامِ مَذْهَبِ الظَّاهِرِ، أَنَّهُ قَالَ بِمِثْلِ قَوْلِ الْعَنْبَرِيِّ.

وَحَكَى قَوْمٌ عَنِ الْعَنْبَرِيِّ وَالْجَاحِظِ أَنَّهُمَا قَالَا ذَلِكَ فِيمَنْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْ حَالِهِ اسْتِفْرَاغَ الْوُسْعِ في طلب الحق، ومن أَهْلِ مِلَّتِنَا وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ نَحَا الْغَزَالِيُّ"قَرِيبًا مِنْ هَذَا"** الْمَنْحَى فِي كِتَابِ"التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالزَّنْدَقَةِ"1

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مَا نقل عن العنبري، والجاحظ، إن أرادا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ مُصِيبٌ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَبَاطِلٌ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ مَنْ بَذَلَ الْوُسْعَ، وَلَمْ يُقَصِّرْ فِي الْأُصُولِيَّاتِ، يَكُونُ مَعْذُورًا غَيْرَ مُعَاقَبٍ، فَهَذَا أَقْرَبُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُعْتَقَدُ فِيهِ أَنَّهُ لَوْ عُوقِبَ، وَكُلِّفَ بَعْدَ اسْتِفْرَاغِهِ غَايَةَ الْجَهْدِ، لَزِمَ تَكْلِيفُهُ بِمَا لَا يُطَاقُ.

قَالَ: وَأَمَّا الَّذِي حُكِيَ عَنْهُ مِنَ الْإِصَابَةِ فِي الْعَقَائِدِ الْقَطْعِيَّةِ، فَبَاطِلٌ قَطْعًا، وَلَعَلَّهُ لَا يَقُولُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَأَمَّا الْمُخْطِئُ فِي الْأُصُولِ:"كَالْمُجَسِّمَةِ2"*** فَلَا شَكَّ فِي تَأْثِيمِهِ وَتَفْسِيقِهِ وَتَضْلِيلِهِ.

وَاخْتُلِفَ فِي تَكْفِيرِهِ، وَلِلْأَشْعَرِيِّ قَوْلَانِ، قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَابْنُ الْقُشَيْرِيِّ، وَغَيْرُهُمَا: وَأَظْهَرُ مَذْهَبِهِ تَرْكُ التَّكْفِيرِ، وَهُوَ اختيار القاضي في كتاب"إكفار"المتأولين3

* في"أ": بأن الإجماع.

** في"أ": نحو هذا.

*** في"أ": والمجتهد.

ما بين قوسين ساقط من"أ".

1 وهي للإمام أبي حامد محمد الغزالي. ا. هـ إيضاح المكنون 1/ 300.

2 وهم الذين شبهوا الله بصورة الإنسان.

3 لم نجد أحدًا ذكر هذا الكتاب بهذا الاسم، ولعله يقصد من كتاب إكفار المتأولين أي باب أو فصل في كتاب. فكلمة كتاب تعني ما يضم أبوابا وفصولا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت