الصفحة 128 من 262

المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبارات كما هي معتبرة في التقربات والعبادات، ودلائل هذه تفوق الحصر ..." (5) ."

لكن هذه القاعدة بهذا المعنى لا تنطبق على موضوع الإجارة المنتهية بالتمليك، إذ إن عقدها لا يذكر فيها ألفاظ البيع، وإنما يذكر منفصلًا ومستقلًا عن العقد الوعد بالبيع، أو حتى العقد كملحق، ولكن الذي تنطبق على الإجارة المنتهية بالتمليك هو مدى رعاية القصود والنيات أم رعاية الألفاظ والعبارات، فهذا العقد وإن كان قد صيغ بصياغة الإيجار وشروطه لكن مقصود العاقدين هو التملك والتمليك، فالمؤجر لا يريد أن يحتفظ بالعين المؤجرة إلا لفترة زمنية محددة يسترجع فيه ثمنها مع الأرباح، والمستأجر لا يريد الإجارة لذاتها وإنما يريد تملكها ولكن بما أنه لا يمتلك السيولة الكافية أو لأي سبب آخر يختار الإجارة المنتهية بالتمليك، وحتى هذه النية ليست مما يمكن الاستدلال عليها بل تدل عليها الظروف المحيطة بالعقد، ونوعية أقساط الإجارة - حيث تكون أكثر من الأجرة العادية - وبيع العين المستأجرة الذي يتم بثمن رمزي في الغالب لا يمثل قيمتها السوقية.

فقد ثار خلاف بين الفقهاء حول تغليب النيات والقصود على الألفاظ والعبارات ودلالاتها على رأيين:

الرأي الأول: هو الاعتناء بالألفاظ والعبارات، ولذلك صححوا - بيع العينة ونحوه، وهذا رأي الشافعية وأبي يوسف من الحنفية، في حين ذهب الجمهور إلى عدم صحة بيع العينة (6) ، والجميع متفقون على حرمتها إذا أراد عاقدها التحايل على الربا، وإنما الخلاف فيما عدا ذلك وفي الصحة والبطلان.

وقد استدل المجيزون بالكتاب والسنة والآثار والقياس:

أما الكتاب فهو الآيات الواردة بخصوص وجوب الوفاء بالعقود، وهي ليست إلا الإيجاب والقبول مع توافر بقية الأركان والشروط، وليس في هذه الآيات ما يشير إلى وجوب الكشف عن نية العاقد، وغرضه ما دام الظاهر مشروعًا.

وأما السنة فمنها ما رواه الشيخان في صحيحيهما بسنديهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل، أو تتكلم ) ) (7) ، والحديث واضح في دلالته على أن المعتبر هو القول، أو الفعل، قال الشافعي: إن الله تعالى أمره -أي النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم- أن يحكم على الظاهر .. (8) .

(1) يراجع للتفصيل في هذه المسألة والتحقيق فيها: مبدأ الرضا في العقود، ط. دار البشائر، 1985: 2/ 1164.

(2) الأشباه والنظائر لابن نجيم، ص 207.

(3) الحديث صحيح متفق عليه انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري: 1/ 12؛ ومسلم: 3/ 1515؛ وسنن أبي داود مع عون المعبود: 6/ 284؛ والنسائي: 1/ 51.

(4) الأشباه والنظائر للسيوطي، ط. دار الكتاب العربي ببيروت، ص 38.

(5) إعلام الموقعين: 3/ 109 - 112.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت