الصفحة 32 من 93

أربعوا على حماس، وارحموا الأنصار

حامد بن عبدالله العلي

أوغل في الخطأ من لايريد أن يتعامل مع ما وقع في غزَّة أنه فتنة يجب السعي لإصلاح ذات البين فيها، والكفّ عن إهراق الدماء من الطرفين، كما الكفّ عن نقل الإتهامات المتبادلة، وعن التحريش بين المؤمنين.

وأبعد منه من يدعو إلى إستمرار إثارة الهرج ضد حكومة غزة، منكرًا الدعوة إلى إعذارها في اجتهادها السياسي، والإداري، وإلى التعاون معها ضدّ من يتربّص بغزّة من عدوّ الله، والإسلام.

فهل يريد هؤلاء أن تقتحم بعد هذا الهرج، مدرّعات سلطة عباس التي أهداها لها دايتون، تقتحم على حطامِ هرجٍ أعمى، وليقول دعاته بعد أن يُسقط في أيديهم: كانت والله سياط حماس تلك، أهون من جحيم عباس هذا!

ورحم الله قتادة إذ قال: (لو أنَّ الناس كانوا يعرفون منها ـ يعني الفتنة ـ إذ أقبلت ما عرفوا منها إذ أدبرت لعقل فيها جيلٌ من الناس كثير) .

لسنا هنا ننكر على من ينتقد حماس، وقد أنكرنا عليها من قبل ـ وسنبقى ـ حتى أغلظنا، فوجدناها رحبة الصدر، مُلقية السمع، إذْ كنّا ننقد بلسان، نعطي منه أكثر مما ننقد، وكان في إطار التناصح بين الحركات الإسلامية، التي تبقى دائما بينها رابطة الأخوة الإسلامية إطارًا يجمعها، ولا يفرّقها.

ولكن المستنكر والله كلّ المنكر، هذا التداعي إلى إعلان غزّة الجريحة، المحاصرة، التي يعاني أهلها الجوع، والفقر، وكلَّ أنواع البلاء، التداعي إلى إعلانها ساحة حرب جديدة، يتفرَّج فيها الصهاينة على الضحايا يسقطون باليد الفلسطينية، ليقولوا للناس: انظروا هؤلاء الذين أشفقتم عليهم من صواريخنا، إنهم لايستحقون غيرها.

وأما سلطة دايتون القابعة في غزة، فسيتخذون ألسنة دعاة هذه الفتنة، سيوفا يذبحون بها في غزة، من عجزوُا عن ذبحه في سجون الضفة، وسيجعلونها جسرًا يعبرون عليه إلى حيث كانوا يتآمرون على فلسطين وأهلها.

ولا يستبعد أنّ ثمّة مكرٍ خفيِّ وراء ما جرى في رفح، ولم يكن هؤلاء الشباب فيه إلاّ وقودًا له، وهم لايدرون من يقدح زناده وراءهم، كما يحدث في مواطن أخرى!

وأيها القوم إنَّ غزَّة تختلف عن كلِّ ما سواها من مواطن الجهاد، وإنَّ معادلة فلسطين أعقد من أنْ يقودها، أويُترك الرأي فيها، لكلّ أحد.

إنّه مكر بني صهيون بكلِّ ما فيه، يمدُّه الغرب بأسره بكل ما يعطيه، وينفذه أزلام السلطة الخائنة،

وقد تراكمت عند حركة المقاومة الإسلامية خبرة عظيمة في التعامل مع هذه المعادلة، وأثبتوا أنَّ قدرتهم على الصمود أقوى من الدول، وعلى المواجهة المسلحة أشدُّ من الجيوش النظامية، فهم أدرى بمكة وشعابها، وأعرف بأرضها، وضرابها.

والصهاينة بالإتفاق مع سلطة عباس دايتون، يعدُّون لحرب قادمة لإجتياح غزة، بعدما فشلت الحرب الماضية، فشلا ذريعا، في أعادة دحلان وأزلامه الذين كانوا ينتظرون في رفح المصرية ليتسلَّموا غزة كلَّها من (مسجد ابن تيمية) إلى آخر مصلى فيها، بعد قصف صهيوني جحيمي لايبقى ولايذر، حتَّى رماهم الله بالخزي، فارتدُّوا على أعقابهم خاسئين، وأنزل الله نصره.

وما استمرار الحصار إلاّ لأجل هذه الحرب القادمة، والصهاينة غير خافٍ عليهم أنَّ حماس إنما تريد أن تكسب الوقت بالتهدئة، لتعيد تنظيم الصفوف في هدوء، بعيدا عن بهارج الإعلام، ولإدخال السلاح، استعدادًا لتلك الحرب، حتى دخلت صواريخ تصل إلى تل أبيب، وأنَّ هدف حماس من فك الحصار، إثبات قدرة المقاومة على حلِّ القضية الفلسطينية، وفشل مسارات الوهم التي تُسمَّى: السلام،

فالمعادلة إنما تدور على هذه الفكرة، التي قادها الشيخ أحمد ياسين، وهي:

(المقاومة هي الحلّ الوحيد إلى الحقوق، غير أنها تواجه عدوَّا واسع التأييد، عظيم القدرات، فهي بحاجة إلى مشروع متكامل، شعبي، إعلامي، إداري، سياسي، عسكري، معنوي، مادّي، ولن تصل إلى هدفها إلاَّ عبر مراحل، كما أنها تحتاج إلى صبر، وستضطرّ إلى المناورة السياسية، ما قد يبدو تنازلا وليس كذلك، وفي قصة الحديبية قدوة، وفي سير السابقين أسوة) .

وإنَّ الفوضى، والإرتجالية، والعشوائية، والقفز على المراحل، كما يحدث في بعض مواطن الجهاد، لن تصنع شيئا في مقاومة الصهاينة في فلسطين، إلاَّ القضاء على مشروع التحرير الفلسطيني، ثمَّ البكاء عليه.

إنَّ حكومة غزّة لم تُحاصر، ولم يُستهدف قادتها، ولمْ يُزج بأنصارها في سجون الضفَّة، حتَّى صاروا بين قتيلٍ، وأسير، ومن هو تحت التعذيب، ولم تتآمر عليهم الأنظمة العربية الخائنة، ولم يقدِّم قادتها أنفسهم، وأبناءهم، وإخوانهم، وأموالهم، رخيصةً دفاعا عن الأقصى، لم يحدث هذا كلُّه لهم، لأنهَّم خونة، يقاتلون في سبيل الدنيا!!

لم يحدث هذا لهم إلاّ لأنهّم حركة إسلاميّة، تربَّت في محاضن القرآن، وتعلَّمت كتب الفكر الإسلامي، ونشأت في بيوت الله، فصامت، وزكَّت، وصلَّت، وحجَّبت نساءها، وحفَّظت أولادها القرآن، وجاهدت حتى قدمت آلاف الشهداء، و الأسرى، والجرحى.

هذه هي صورتها في أعين الأعداء، وهذه هي حقيقتها، ومنكر هذا كلَّه أعماه التعصّب، وأغلق عليه الحسد رؤية الفضل.

فلأيِّ شيء لعمري هذا التداعي إلى حربها سوى الدعوة إلى فتنة لن يجني منها إلاَّ الصهاينة، وسلطة الخبثاء الجواسيس في رام الله، مالم يجنوه بدباباتهم، وجيوشهم، وطائراتهم، ومكرهم الليل، والنهار؟!

ثمَّ إنها رأت أنَّ من أهم أولوياتها رفع الحصار عن شعب يعاني أشدَّ المعاناة منه، حتّى صار 40% من مواليد غزة مصابين من فقر الدم، رفعه مع الحفاظ على ثابت إستمرار المقاومة ـ وليت شعري ـ إنَّ هذا تحقيق هذا التوازن أشقَّ من حمل الجبال الرواسي، إذ كان هدف الحصار إنّما هو فضّ الناس عن خيار المقاومة أصلا، حتَّى يركعوا للمشروع الصهيوني الذي لن ينتهي دون إهدار كلِّ الحقوق الفلسطينية وعلى ظهر سلطة دايتون في الضفة.

فكيف إذا أضيف إلى هذه المهمّة الشاقّة ـ وفي نفس الوقت ـ سعي حماس لصناعة مشروع التغيير الإسلامي الشامل في غزّة، بحيث يبقى شعبها الجائع، المحاصر، محافظًا على المقاومة، ومتقبِّلا لمشروع الحكم الإسلامي؟!!

أفلاَ يسعهم ما وسع الخليفة عمر بن عبدالعزيز رحمه الله، كما نقل عن الذهبي في تاريخه، عن ميمون بن مهران، سمعت عمر بن عبدالعزيز يقول: (لو أقمت فيكم خمسين عاما ما استكملت فيكم العدل، إني لأريد الأمر من أمر العامة، فأخاف ألاَّ تحمله قلوبهم، فأخرج معه طمعا من طمع الدنيا، فإن أنكرت قلوبهم هذا، سكنت إلى هذا) تاريخ الذهبي 4/ 170

وفي البداية والنهاية (وإني لأريد الأمر، فما أنفذه إلاَّ مع طمع من الدنيا، حتى تسكن قلوبهم) 9/ 200

وإنّ هؤلاء المتعجّلون يريدون أن تقيم حماس في يوم ما يعجز عنه عمر بن عبدالعزيز في خمسين عاما!

ألا فدعوهم ـ ويحكم ـ وما تأوَّلوه فيما تحملُّوه، من النقلة بالناس شيئا فشيئا إلى سماحة الإسلام، وكفُّوا عن القوم ماداموا في وجاهة أشدّ الناس عداوةً للذين آمنوا، فوالله إنَّ الذين يرمون سهامهم عليهم، لايقدرون على إنجاز عشر معشار ما أنجزوه حتى الآن، في ظلِّ ظروفهم.

فما أسهل أن تتكئ على أريكتك منتقدًا قوما محاصرين، تكالب عليهم الأعداء من كلِّ حدب وصوب، فأسراهم بالآلاف، وقتلاهم مثلهم، وكلَّ يوم يُزفّ عليهم نبأ شيخ قتيل تحت تعذيب أزلام دايتون، أو أسير في يد الصهاينة، أو غارة صهيونية عليهم، ما أسهل أن تفعل هذا وتنسى ما هم فيه من البلاء العظيم!

أما جند أنصار الله، فندعو حماس إلى القيام بواجب الراعي المشفق على رعيّته، لا العدوّ الممعن العداوة! ففي الحديث: (شرُّ الرّعاء الحطمة) ، والله تعالى سيسأل عن دماءهم، كما لا يصح البتّة تشويه سمعتهم، فحتَّى أهل الجاهلية كانوا يكفُّون عن مثل هذا، فكيف ونحن ندعو إلى الخلق الإسلامي!

وإذا ملكت فأسجح، والبغي من ذي السلطة أقبح، فإن أراد به أن يحسَّن صورته، فسينقلب عليه شينًا في أعين الناس، وتلك ـ والله ـ سنة الله، لايعاجزها أحدٌ إلاّ هوى.

كما يجب عليها أن تأخذ المخالفين لها من السلفيين، وجماعة الجهاد، وغيرها بالرفق، واللين، والأخوة الإيمانية، وتعامل الجماعات الأخرى بالحُسنى،

وأن تدع للناس مراحا يستريحون فيه في دعوتهم على إختلاف مشاربهم، فإنَّه ما ضيَّق أحدٌ واسعا إلاّ ضيّق الله عليه، وما شقّ راعٍ على رعية إلاَّ شقَّ الله عليه.

وأن تراعي تعطش الشباب للجهاد، لاسيما في ظلِّ ما يقع على الأمّة من مصائب، وأن تسلك معهم سبيل الحوار، لإقناعهم بالإبتعاد عن الشذوذ، والغلوّ، الذي انتشر في بعض ساحات الجهاد الأخرى، فإنَّ سبيل العنف في حلّ هذه المعضلة سيزيدها أوار نارِها.

ولهذا أقترح أن يتمَّ تشكل لجنة من العلماء من داخل فلسطين وخارجها، في مساع حميدة لطيّ صفحة ما جرى من الفتنة، وإخراج كلِّ الشباب من السجون، ومعالجة الجراح، وأن يُودى القتلى، ويُدعى لهم، ليفضي الناس بعد نزغ الشيطان، إلى رحابة الأخوّة، وبعد صورة الدماء، إلى سلامة الصدور، لتتحد البنادق كلُّها نحو العدوّ، وليخسأ دعاة الفتنة، ويرتد كيدُهم في نحورهم، ويأوي الناس إلى جماعة ورحمة، قبل أن تأخذهم سيوف فتنة، لا يفيقون بعدها إلاّ في أحضان بني صهيون.

والله حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى، ونعم النصير.

حامد بن عبدالله العلي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت