والعناصر غير اللغوية المتعلقة بالمقام الذي تنطق به الكلمة لها هي الأخرى أهميتها البالغة في هذا الشأن". [1] "
وهذا المفهوم لا يبتعد كثيرا عن مفهوم علمائنا الأقدمين, وتحدث الزركشي عن دلالة السياق وبين أهميته في ضبط الدلالات فقال:"... دلالة السياق، فإنها ترشد إلى تبيين المجمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظيره وغالط في مناظراته، وانظر إلى قوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [2] كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير". [3]
إلا أن هؤلاء العلماء لم يناقشوا مفهوم نظرية السياق كنظرية لها أصول وقواعد، وإنما مارسوها من الناحية التطبيقية، وخاصة على نصوص القرآن الكريم. فقد أشار الشاطبي إلى ذلك عندماتعرض إلى دلالة اللفظ بين العموم والخصوص فقال:"فالحاصل أن العموم إنما يعتبر بالاستعمال، ووجوه الاستعمال كثيرة, ولكن ضابطها مقتضيات الأحوال التي هي ملاك البيان وإن قوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ... الآية} ، [4] لم يقصد بها أنها تدمر السموات والأرض والجبال ولا المياه ولا غيرها مما هو في معناها ....". [5]
ومقتضيات الأحوال ما هي إلا القرائن المقيدة لدلالة النص، وهي هنا القرائن العقلية وتسمى"المخصصات"العقلية والنقلية"."... وكل تخصيص لابد له من مخصص عقلي أونقلي أو غيرهما، وهو مراد للأصوليين ...". [6] "
(1) - دور الكلمة، ستيفن أولمان، ترجمة و تقديم و تعليق كمال بشر، دار غريب للطباعة و النشر و التوزيع، ص:68.
(2) - الدخان: 49.
(3) -البرهان في علوم القرآن، بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة، بيروت-لبنان، الطبعة الثانية، سنة (1391 هـ-1972 م) ، ج 2/ 200، 201.
(4) -الأحقاف: 25
(5) - الموافقات في أصول الشريعة، لأبي إسحاق الشاطبي ضبط وتخريج إبراهيم رمضان، دار المعرفة بيروت -لبنان، الطبعة الخامسة، سنة (1422 هـ-2001 م) ،ج 3/ 243.
(6) - المصدر نفسه، ج 3/ 242.