غير أنه إن كان المنهج الذي يصرف هذه الجماعة من صنع الله-أي منبثقًا من تصور اعتقادي رباني- فهذه الجماعة في (دين الله) .. وأن كان المنهج الذي يصرف حياة هذه الجماعة من صنع الملك، أو الأمير أو القبيلة أو الشعب-أي منبثقًا من مذهب أو تصور أو فلسفة بشرية- فهذه الجماعة في (دين الملك) أو (دين الأمير) أو (دين القبيلة) أو (دين الشعب) .. وليست في (دين الله) لأنها لا تتبع منهج الله، المنبثق ابتداء من دين الله، دون سواه [1] !.
والمحدثون من أصحاب المذاهب والنظريات والفلسفات الاجتماعية لم يعودوا يحجمون، أو يتحرجون، من التصريح بهذه الحقيقة: وهي أنهم إنما يقررون (عقائد) ؛ ويريدون أخذ الناس بها في واقع الحياة؛ وأنهم يريدون إحلال هذه العقائد الاجتماعية أو الوطنية أو القومية محل العقيدة الدينية ..
فالشيوعية ليست مجرد نظام اجتماعي .. إنما هي كذلك تصور اعتقادي. تصور يقوم على أساس مادية هذا الكون، ووجود المتناقضات في هذه المادية .. هذه المتناقضات المؤدية إلى كل التطورات والانقلابات فيه. وهو ما يعبر عنه بالمادية الجدلية، كما يقوم على التفسير الاقتصادي للتاريخ، ورد التطورات في الحياة البشرية إلى تطور أداة الإنتاج .. الخ. ومن ثم فهي ليست مجرد نظام اجتماعي، إنما هي تصور اعتقادي يقوم عليه-أو يدعي أنه يقوم عليه-نظام اجتماعي .. وذلك بغض النظر عما بين أصل التصور وحقيقة النظام الذي يقوم الآن من فجوات ضخام!
(1) يراجع بتوسع معنى كلمة"دين"في كتاب المصطلحات الأربعة للأستاذ المودودي.