هذه الملابسات التي عاجلت النصرانية في بدء نشأتها أولًا، ثم عند انتصارها السياسي على ذلك النحو ثانيًا، ثم ما تلا ذلك الانتصار من خلافات سياسية وعنصرية وتحريفات وتعديلات في العقيدة بسببها ثالثًا ..
كل أولئك قد ملأ التصور الاعتقادي فيها بعناصر غريبة كل الغرابة على طبيعتها، وعلى طبيعة (الدين الإلهي) كله .. ومن ثم لم يعد التصور النصراني-كما صنعته التحريفات المتوالية أولًا ثم كما صاغته المجامع المقدسة العامة والخاصة أخيرًا [1] - قادرًا على أن يعطي التفسير الإلهي للوجود وحقيقته، وحقيقة صلته بخالقه. وحقيقة هذا الخالق وصفاته، وحقيقة الوجود الإنساني وغايته وطريقه .. هذه المقومات التي لابد أن تصح كي يصح النظام الاجتماعي الذي ينبثق منها، ويقوم بعد ذلك عليها.
غير أن الأمر لم يقف عند فساد التصور الاعتقادي على هذا النحو؛ بل مضت الملابسات النكدة في طريقها خطوات أخرى عاثرة!
لقد أرادت الكنيسة أن تقف في وجه الترف الروماني، والسعار الشهواني الذي كانت الإمبراطورية الرومانية قد انتهت اليه، قبل دخولها في النصرانية، والذي يصفه درابر الأمريكي في كتابه (الدين والعلم) بقوله:
"لما بلغت الدولة الرومية في القوة الحربية والنفوذ السياسي أوجها، ووصلت الحضارة إلى أقصى الدرجات .. هبطت في فساد الأخلاق، وفي الانحطاط في الدين والتهذيب إلى أسفل الدركات .. بطر الرومان معيشتهم"
(1) يراجع بالتفصيل كتاب محاضرات في النصرانية للأستاذ محمد أبو زهرة.