الصفحة 39 من 102

وأخلدوا إلى الأرض، واستهتروا استهتارًا، وكان مبدؤهم أن الحياة إنما هي فرصة للتمتع، ينتقل فيها الإنسان من نعيم إلى ترف، ومن لهو إلى لذة. ولم يكن اعتدالهم إلا ليطول عمر اللذة! كانت موائدهم تزهو بأواني الذهب والفضة مرصعة بالجواهر، ويحتف بهم خدم في ملابس جميلة خلابة، وغادات رومية حسان، وغوان كاسيات عاريات غير متعففات تدل دلالًا. ويزيد في نعيمهم حمامات باذخة، وميادين للهو واسعة، ومصارع يتصارع فيها الأبطال مع الأبطال، أو مع السباع؛ ولا يزالون يصارعون حتى يخر الواحد منهم صريعًا يتشحط في دمه. وقد أدرك هؤلاء الفاتحون الذين دوخوا العالم، أنه إن كان هناك شيء يستحق العبادة فهو القوة، لأنه بها يقدر الإنسان أن ينال الثروة التي يجمعها أصحابها بعرق الجبين وكد اليمين، وإذا غلب الإنسان في ساحة القتال بقوة ساعده، فحينئذ يمكن أن يصادر الأموال والأملاك، ويعين إيرادات الإقطاع، وأن راس الدولة الرومية هو رمز لهذه القوة القاهرة، فكان نظام رومة يشف عن أبهة الملك. ولكنه كان طلاء خادعًا كالذي نراه في حضارة اليونان في عهد انحطاطها [1] .

أرادت الكنيسة أن تقف في وجه هذا السعار الجامح، وهذا التردي الكاسح .. ولكنها لم تسلك إليه طريق الفطرة السوية المعتدلة المتزنة، ولا كان قد بقي بين يديها من حقيقة التصور النصراني الصحيح ما تقيم به الميزان بين الناس بالقسط، ولا ما تقيم به الميزان بين الإفراط والتفريط في وظائف فطرتهم الطبيعية.

(1) عن كتاب:"ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين"للأستاذ أبي الحسن الندوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت