عندئذ اندفع في الجانب الآخر تيار من (الرهبانية) العاتية، لعلها كانت أشأم على البشرية من بهيمة الرومان الوثنية. وأصبح الحرمان من طيبات الحياة، وسحق الخصائص الفطرية في الإنسان، ومحق الطاقات والاستعدادات التي خلقها الله فيه لتكفل بقاء النوع من ناحية، كما تكفل عمارة الأرض والقيام بفرائض الخلافة فيها من ناحية أخرى .. أصبح هذا الانحراف العاتي عن الفطرة هو عنوان الكمال والتقوى والفضيلة .. الأمر الذي لم يأذن به الله، ولا يمكن أن تستقيم معه حياة!
ولم ينشئ ذلك علاجًا لذلك الانحلال. ولكنه انشأ صراعًا بين طرفين جامحين، كلاهما بعيد عن جادة الفطرة وحقيقة حاجات الإنسان.
ويصور (ليكى) في كتابه: (تاريخ أخلاق أوروبا) ما كان عليه العالم النصراني في ذلك العصر من التاريخ بين الرهبانية والفجور .. بقوله:
"إن التبذل والإسفاف قد بلغا غايتهما في أخلاق الناس واجتماعهم. وكانت الدعارة والفجور، والإخلاد إلى الترف، والتساقط على الشهوات، والتحلق في مجالس الملوك وأندية الأغنياء والأمراء، والمسابقة في زخارف اللباس والحلي والزينة في حدتها وشدتها .. كانت الدنيا في ذلك الحين تتأرجح بين الرهبانية القصوى والفجور الأقصى. وإن المدن التي ظهر فيها أكثر الزهاد كانت أسبق المدن في الخلاعة والفجور [1] ."
وهكذا عجز نظام الرهبنة، المنبثق من تصورات كنسية ومجمعية منحرفة عن أصل التصور النصراني الرباني، عن أن يكون حتى نظامًا
(1) عن كتاب:"ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين"للأستاذ أبي الحسن الندوي.