عملها، واجتهدت ألا تدع في العالم النصراني عرقًا نابضًا ضد الكنيسة، وانبثت عيونها في طول البلاد وعرضها، وأحصت على الناس الانفاس، وناقشت عليها الخواطر، حتى يقول عالم نصراني:"لا يمكن لرجل أن يكون مسيحيًا ويموت حتف أنفه" (يقصد الموت موتة طبيعية) .
(ويقدر أن من عاقبت هذه المحاكم يبلغ عددهم ثلاثمئة ألف. أحرق منهم إثنان وثلاثون ألف أحياء! كان منهم العالم الطبيعي المعروف(برونو) ، نقمت منه الكنيسة آراء من أشدها قوله بتعدد العوالم، وحكمت عليه بالقتل، واقترحت بأن لا تراق قطرة من دمه! وكان ذلك يعني أن يحرق حيًا! وكذلك كان! وكذلك عوقب العالم الطبيعي الشهير (جاليليو) بالقتل لأنه كان يعتقد بدوران الأرض حول الشمس!.
(هنالك ثار المجددون المتنورون، وعيل صبرهم، وأصبحوا حربًا لرجال الدين وممثلي الكنيسة، والمحافظين على القديم، ومقتوا كل ما يتصل بهم، ويعزى إليهم، من عقيدة، وثقافة، وعلم، وأخلاق، وآداب، وعادوا الدين المسيحي أولًا، والدين المطلق ثانية، واستحالت الحرب بين زعماء الدين المسيحي-وبلفظ أصح الديانة البولسية- حربًا بين العلم والدين مطلقًا! وقرر الثائرون أن العلم والدين ضرتان لا تتصالحان، وأن العقل والنظام الديني ضدان لا يجتمعان؛ فمن استقبل أحدهما استدبر الآخر، ومن آمن بالأول كفر بالثاني. وإذا ذكروا الدين ذكروا تلك الدماء الزكية التي أريقت في سبيل العلم والتحقيق، وتلك النفوس البريئة التي ذهبت ضحية لقسوة القساوسة ووساوسهم، وتمثل لأعينهم وجوه كالحة عابسة وجباه مقطبة، وعيون ترمي بالشرر، وصدور ضيقة حرجة، وعقول