(أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) [1] دونما كد ولا جهد ولا عناء في الاهتداء إليه، كما يسير الكهرب في الذرة في مساره المرسوم، وتسير الذرة في مادتها في مسارها المرسوم، وتسير الأرض والكواكب والأفلاك في مسارها المرسوم، لا تحمل عناء السير، ولا تشق نفسها في استكناهه، وإنما تسلم نفسها لله العزيز العليم ..
كما اقتضت حكمته - وقد خلق للإنسان عقلًا ميزه به من سائر الخلق الذي نعرفه - أن يكون دور العقل الواعي في الاهتداء إلى الله مساندة الفطرة الخفية المسارب، و"توعية"مسارها (أي جعله واعيًا واضحًا مفهومًا) ؛ ورسم لذلك منهجًا واضحًا وطريقًا مستقيمًا .. هو تدبر آيات الله في الكون.
وحقًا إنه لكذلك .. فما يتدبر الإنسان هذه الآيات بوعي يقظ وقلب متفتح إلا هدته من فورها إلى الله، خالق الكون والحياة.
ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها .. إن الله لم يكلف الناس أن يبحثوا في ذاته سبحانه. لم يكلفهم الجهد الذي يعلم - سبحانه - أنهم لن يقدروا عليه قط، وأن قصارى ما يحدث لهم حين يحاولون أن تنفجر طاقتهم وتتبدد، كما تنفجر طاقة الذرة التي انحرفت عن مسارها، فتتحطم وتحطم ما تلقاه في الطريق!
وحين نهى الرسول الكريم أتباعه عن أن يفكروا في ذات الله كيلا يهلكوا، لم يكن - صلى الله عليه وسلم - يحجر على تفكيرهم أو يضع عليهم القيود.
(1) سورة طه [50] .