الصفحة 127 من 264

صلوات الله وسلامه عليهم، واختار أرضًا يعلم الله أنها أنسب أرض تنطلق منها الرسالة الخاتمة .. أرض لا مطمع فيها في ذلك الوقت، لدولة من الدول العظمى التي تحكم الأرض يومئذ، لأنها صحراء جرداء، فتنشأ الجماعة المؤمنة وتتمكن، دون أن تتدخل سلطة خارجية لكبتها أو إضعافها، أو تعويقها عن مهمتها، حتى إذا تنبهت الدول"العظمى"لخطرها، وأرادت أن تتصدى لها، كانت قد أنشأت دولتها، وأنشأت قوتها الضاربة التي ترهب بها الأعداء.

أما البشر في هذه الأرض، فقد علم الله كذلك أنهم أصلح من يحمل هذه الرسالة، وينطلق بها في الآفاق .. وثنيون .. نعم. مشركون .. نعم. لُدّ الخصومة .. نعم. شديدو الجدال .. نعم. ولكنهم من وراء ذلك كله، أسلم فطرة من شعوب الأرض الأخرى، التي أفسدتها الحضارة الجاهلية بترفها ورخاوتها وإخلادها إلى الأرض، وانتشار المباذل فيها، كما كانت الإمبراطوريتان"العظيمتان!"عن يمين الجزيرة وشمالها: فارس والروم، فضلًا عن استخذاء شعوبها لسطوة الحاكم المقدس الذي تخنع له الرقاب، ويتعامل مع شعبه تعامل السيد مع العبيد، فيطغى السيد ويخضع العبيد.

لقد كانت الجاهلية العربية قد أفسدت ولا شك نفوس العرب المشركين .. ولكنه - كما ثبت في الواقع - فساد في القشرة، لم يتوغل إلى صميم الفطرة، فما إن أزالت العقيدة الجديدة هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت