الصفحة 148 من 264

وعلى هذا الذكر ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، بالقدوة أولًا في شخصه الكريم، ثم بمواعظه وتوجيهاته، ومتابعته المستمرة وعنايته ورعايته، حتى صاروا إلى تلك القمم البشرية التي لا مثيل لها في التاريخ.

والآن فلننظر ماذا كان يريد صلى الله عليه وسلم، وإلى أي شيء كان يهدف من بذل الجهد الجبار الذي بذله في تربية أولئك الأصحاب .. ألمجرد أن يكونوا حواريين له صلى الله عليه وسلم؟ ألمجرد أن يكونوا مؤمنين صادقي الإيمان؟ إنه هدف نبيل ولا شك، ويستحق أن يُبذل فيه الجهد، ولكن! أكُل هذا الجهد؟

لقد كان جزء من هذا الجهد يكفي لتحقيق هذا الهدف على أحسن صورة يرغب فيها رسول! كان يكفي جهد كالذي بذله عيسى ابن مريم عليه السلام في تربية حوارييه الذين التفوا حوله، وأخلصوا له، ونشروا دينه من بعده، وكانوا مثلًا في الرأفة والرحمة والزهد ونظافة الأخلاق: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) [الحديد: 27] .. ولكن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يكن يريد مجرد أن يربي جماعة من المؤمنين، ككل المؤمنين الذين رباهم الرسل من قبله، إنما كان يريد أمرًا آخر أعظم وأجل .. يريد أن يربي القاعدة الصلبة التي تنشئ بدورها (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران: 110] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت