فهرس الكتاب
في الفترة المكية لم تكن قد تزلت بعد الأحكام والتوجيهات التي تنظم حياة الجماعة المؤمنة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إنما كانت كلها مخصصة لبذر العقيدة الصحيحة في النفوس، وتهيئة هذه النفوس لمقتضيات هذه العقيدة، التي كان مقدرًا في علم الله أن تجيء في موعدها المناسب ..
ونتكلم الآن عن المؤمنين الذين آمنوا أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وآمنوا بالبعث والنشور والحساب والجزاء، لأن هؤلاء هم القاعدة الصلبة التي رباها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي هي موضع حديثنا في هذا الفصل .. ولكن لا يفوتنا أن نذكر كم عانى رسول الله صلى الله عليه وسلم، في عرض هذه القضية، وتبليغها للناس، سواء من طغاة قريش الذين وقفوا لهذه الدعوة بالمرصاد، يحاربونها بكل وسائل الحرب، أم من الجماهير التي حاربتها لأنها تخالف مألوفاتها، ولأنهم هم في ذات الوقت مستعبدون لأولئك الطغاة، وعوا ذلك أم لم يعوه، وارتضته نفوسهم أم كرهوه ..
في هذه الفترة التي نحن بصددها كان التركيز على مقتضيات بعينها من مقتضيات لا إله إلا الله ..
فأما النطق فهو وقتئذ العلامة الظاهرة للإيمان، فلم يكن ينطق بالشهادتين في ذلك الوقت إلا من آمن حقًا، وجاء يعرض إيمانه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مخاطرًا بنفسه، معرضًا نفسه للأذى ينصب عليه من كل حدب وصوب، والجاهلية كلها من حوله تناجزه العداء، وتظهر له الإنكار والبغضاء. ومع أن النطق