الصفحة 152 من 264

في ذلك الوقت كان علامة مؤكدة على الإيمان، لأنه لم يكن يعرّض نفسه لمخاطر النطق إلا من آمن حقًا، وبلغ به التصديق مبلغ اليقين، فهل اكتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم بأنهم صدقوا في داخل قلوبهم ونطقوا بألسنتهم؟!

ولو اكتفى بذلك منهم، فهل كانت تقوم تلك القاعدة الصلبة التي غيّر الله بها وجه الأرض؟

وفيم إذن كان لقاؤه معهم في دار الأرقم، ومصاحبته لهم، وقضاؤه الساعات معهم؟ ليقول لهم: آمنوا بأنه لا إله إلا الله، وقد آمنوا بالفعل؟ أم ليقول لهم انطقوا بألسنتكم أنه لا إله إلا الله وقد نطقوا بالفعل؟ إنما كان يلتقي بهم ليربيهم على مقتضيات لا إله إلا الله، مقدمًا لهم النموذج العملي في شخصه الكريم.

لقد كان من مقتضيات لا إله إلا الله في ذلك الحين، وفي كل حين، الصبر على الأذى في سبيل الحق، في سبيل العقيدة الصحيحة التي يؤمن بها الإنسان .. فهل كان مجرد الإيمان، أي التصديق بلا إله إلا الله والنطق بها، يؤدي تلقائيًا إلى الصبر على الأذى مهما اشتد، والتمسك بالحق مهما كلّف في النفس والمال؟ أم يحتاج هذا الأمر إلى جهد معين لتقوية الكيان النفسي حتى يحتمل الضغط دون أن ينثني أو ينهار؟ ومن أين يتعلمون ذلك؟ أبمجرد أن يقال لهم اصبروا تنضبط المشاعر، وتصلب العزيمة، وتصغر الدنيا بمتاعها الحلو في نظر صاحبها، ويتطلع إلى ما هو أعلى وأشفّ، فيحتمل الأذى صابرًا، ولا يفرط في الحق الذي آمن به؟ كلا والله! إنما يحتاج الأمر إلى تلقين وتعليم وتدريب وتوجيه ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت