ويجازي من يتعدونه. . فهو حق واحد لا يتعدد، وهو الناموس الكوني العام الذي أراده الله لهذا الوجود في جميع الأحوال، والذي يخضع له ويؤخذ به كل ما في الوجود من عوالم وأشياء وأحياء.
{ولقد أنزلنا إليكم كتابًا فيه ذكركم، أفلا تعقلون! وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قومًا آخرين، فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون. لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون. قالوا: ياويلنا إنا كنا ظالمين! فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدًا خامدين. وما خلقتنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين. لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا. . . إن كنا فاعلين. . بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، ولكم الويل مما تصفون. وله من في السموات والأرض، ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون} . . . [الأنبياء: 10 - 20] .
وفطرة الإنسان تدرك هذا الحق في أعماقها. فطبيعة تكوينه وطبيعة هذا الكون كله من حوله توحي إلى فطرته بأن هذا الوجود قائم على الحق، وأن الحق أصيل فيه، وأنه ثابت على الناموس، لا يضطرب، ولا تتفرق به السبل، ولا تختلف دورته. ولا يصطدم بعضه ببعض، ولا يسير وفق المصادفة العابرة والفلتة الشاردة. ولا وفق الهوى المتقلب والرغبة الجامحة! إنما يمضي في نظامه الدقيق المحكم المقدر تقديرًا. . ومن ثم يقع الشقاق - أول ما يقع - بين الإنسان وفطرته عندما يحيد عن الحق الكامن في أعماقها، تحت تأثير هواه، وذلك عندما يتخذ شريعة لحياته مستمدة من هذا الهوى لا من شريعة الله، وعندما لا يستسلم لله استسلام هذا الوجود الكوني الخاضع لمولاه!