بهذه النصاعة الكاملة، وبهذا الجزم القاطع جاء الإسلام. . جاء يرفع الإنسان ويخلصه من وشائج الأرض والطين، ومن وشائج اللحم والدم - وهي من وشائج الأرض والطين - فلا وطن للمسلم إلا الذي تقام فيه شريعة الله، فتقوم الروابط بينه وبين سكانه على اساس الارتباط في الله، ولا جنسية للمسلم إلا عقيدته التي تجعله عضوا في"الأمة المسلمة"في"دار الإسلام"، ولا قرابة للمسلم إلا تلك التي تنبثق من العقيدة في الله، فتصل الوشيجة بينه وبين أهله في الله. . .
ليست قرابة المسلم أباه وأمه وأخاه وزوجه وعشيرته، ما لم تنعقد الآصرة الأولى في الخالق، فتتصل من ثم بالرحم:
{يا ايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} [النساء: 1]
ولا يمنع هذا من مصاحبة الوالدين بالمعروف مع اختلاف العقيدة ما لم يقفا في الصف المعادي للجبهة المسلمة، فعندئذ لا صلة ولا مصاحبة، وعبد الله بن عبد الله بن أبي يعطينا المثل في جلاء:
روى ابن جرير بسنده عن ابن زياد، قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عبد الله بن ابي، قال: (( ألا ترى ما يقول أبوك؟ ) )قال: ما يقول أبي؟ بأبي أنت وأمي، قال: (( يقول لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الاذل ) )، فقال: فقد صدق والله يا رسول الله، أنت والله الأعز وهو الاذل، أما والله لقد قدمت المدينة يا رسول الله وأن أهل يثرب ليعلمون ما بها أحد ابر بوالده مني، ولئن كان يرضي الله ورسوله أن آتيهما برأسه لآتيهما به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا ) ). . فلما قدما المدينة قام عبد الله بن عبد الله بن أبي على بابها بالسيف