وهكذا يمضي الموكب الكريم في تصوره لحقيقة الروابط والوشائج. .
حتى تجيء الأمة الوسط، فتجد هذا الرصيد من الأمثال والنماذج والتجارب، فتمضي على النهج الرباني للأمة المؤمنة، وتفترق العشيرة الواحدة، ويفترق البيت الواحد، حين تفترق العقيدة، وحيث تنبت الوشيجة الأولى، ويقول الله سبحانه في صفة المؤمنين قوله الكريم:
{لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا اباءهم او اخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وايدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} [المجادلة: 22]
وحين انبتّت وشيجة القرابة بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين عمه أبي لهب وابن عمه عمروا بن هشام"ابو جهل"وحين قاتل المهاجرون أهلهم وأقرباءهم وقتلوهم يوم بدر. . حينئذ اتصلت وشيجة العقيدة بين المهاجرين والأنصار، فإذا هم أهل وإخوة، واتصلت الوشيجة بين المسلمين العرب وإخوانهم: صهيب الرومي، وبلال الحبشي، وسلمان الفارسي، وتوارت عصبية القبيلة، وعصبية الجنس، وعصبية الأرض، وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( دعوها فإنها منتنة ) ). . وقال لهم: (( ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية ) ). . فانتهى أمر هذا النتن. . نتن عصبية النسب. . وماتت هذه النعرة. . نعرة الجنس، واختفت تلك اللوثة. . لوثة القوم، واستروح البشر أرج الآفاق العليا، بعيدا عن نتن اللحم والدم، ولوثة الطين والأرض. . منذ ذلك اليوم لم يعد وطن المسلم هو الأرض، إنما عاد وطنه هو"دار الإسلام"الدار التي تسيطر عليها عقيدته وتحكم فيها شريعة الله وحدها، الدار