أي الفريقين؟ الكبراء الذين لا يؤمنون بمحمد - صلى الله عليه وسلم -؟ أم الفقراء الذين يلتفون حوله؟ أي الفريقين؟ النضر بن الحارث وعمرو بن هشام والوليد بن المغيرة وأبو سفيان بن حرب؟ أم بلال وعمار وصهيب وخباب؟ أفلوا كان ما يدعو إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - خيرا أفكان أتباعه يكونون هم هؤلاء النفر، الذين لا سلطان لهم في قريش ولا خطر، وهم يجتمعون في بيت متواضع كذار الأرقم، ويكون معارضوه هم أولئك أصحاب الندوة الفخمة الضخمة، والمجد والجاه والسلطان؟!
إنه منطق الأرض، منطق المحجوبين عن الآفاق العليا في كل زمان ومكان. وإنها لحكمة الله أن تقف العقيدة مجردة من الزينة والطلاء عاطلة من عوامل الإغراء، لا قربى من حاكم، ولا اعتزاز بسلطان، ولا هتاف بلذة، ولا دغدغة لغريزة، وإنما هو الجهد والمشقة والجهاد والاستشهاد. . ليقبل عليها من يقبل، وهو على يقين من نفسه أنه يريدها لذاتها خالصة لله من دون الناس، ومن دون ما تواضعوا عليه من قيم ومغريات، ولينصرف عنها من يبتغي المطامع والمنافع، ومن يشتهي الزينة والابهة، ومن يطلب المال والمتاع، ومن يقيم لاعتبارات الناس وزنا حين تخف في ميزان الله.
إن المؤمن لا يستمد قيمه وتصوراته وموازينه من الناس حتى يأسى على تقدير الناس، إنما يستمدها من رب الناس وهو حسبه وكافيه. .
إنه لا يستمدها من شهوات الخلق حتى يتأرجح مع شهوات الخلق، وإنما يستمدها من ميزان الحق الثابت الذي لا يتأرجح ولا يميل. . إنه لا يتلقاها من هذا العالم الفاني المحدود، وإنما تنبثق في ضميره من ينابيع الوجود. . فأنى يجد في نفسه وهنا أو يجد في قلبه حزنا. وهو موصول برب الناس وميزان الحق وينابيع الوجود؟