أنفسهم في غير الجانب الإرادي من حياتهم. فالناس محكومون بقوانين فطرية من صنع الله في نشأتهم ونموهم، وصحتهم ومرضهم، وحياتهم وموتهم، كما هم محكومون بهذه القوانين في اجتماعهم وعواقب ما يحل بهم نتيجة لحركتهم الاختيارية ذاتها، وهم لا يملكون تغيير سنة الله في القوانين الكونية التي تحكم هذا الكون وتصرفه. ومن ثم ينبغي أن يثوبوا إلى الإسلام في الجانب الإرادي من حياتهم، فيجعلوا شريعة الله هي الحاكمة في كل شأن من شؤون هذه الحياة، تنسيقًا بين الجانب الإرادي في حياتهم والجانب الفطري، وتنسيقًا بين وجودهم كله بشطريه هذين وبين الوجود الكوني. [1]
ولكن الجاهلية التي تقوم على حاكمية البشر للبشر، والشذوذ بهذا عن الوجود الكوني، والتصادم بين منهج الجانب الإرادي في حياة الإنسان والجانب الفطري .. هذه الجاهلية التي واجهها كل رسول بالدعوة إلى الإسلام لله وحدة، والتي واجهها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بدعوته .. هذه الجاهلية لم تكن ممثلة في (نظرية) مجردة. بل ربما أحيانًا لم تكن لها (نظرية) على الإطلاق! إنما كانت متمثلة دائما في تجمع حركي. متمثلة في مجتمع، خاضع لقيادة هذا المجتمع، وخاضع لتصوراته وقيمه ومفاهيمه ومشاعره وتقاليده وعاداته. هو مجتمع عضوي بين أفراده ذلك التفاعل والتكامل والتناسق والولاء والتعاون العضوي، الذي يجعل هذا المجتمع يتحرك ـ بإرادة واعية او غير واعية ـ للمحافظة على وجوده، والدفاع عن كيانه والقضاء على عناصر الخطر التي تهدد ذلك الوجود وهذا الكيان في اية صورة من صور التهديد.
(1) - يراجع بتوسع في هذه النقطة كتاب"مبادئ الإسلام"للسيد أبي الأعلى المودي أمير الجماعة الإسلامية في باكستان.