الصفحة 51 من 171

ومن اجل أن الجاهلية لا تتمثل في (نظرية) مجردة، ولكن تتمثل في تجمع حركي على هذا النحو، فان محاولة إلغاء هذه الجاهلية، ورد الناس إلى الله مرة أخرى، لا يجوز-ولا يجدي شيئًا- أن تتمثل في (نظرية) مجردة. فإنها حينئذ لا تكون مكافئة للجاهلية القائمة فعلًا والمتمثلة في تجمع حركي عضوي، فضلًا على أن تكون متفوقة عليها كما هو المطلوب في حالة إلغاء وجود قائم بالفعل لإقامة وجود آخر يخالفه مخالفة أساسية في طبيعته وفي منهجه وفي كلياته وجزئياته. بل لابد لهذه المحاولة الجديدة أن تتمثل في تجمع عضوي حركي أقوى في قواعده النظرية والتنظيمية، وفي روابطه وعلاقاته ووشائجه من ذلك المجتمع الجاهلي القائم فعلًا.

والقاعدة النظرية التي يقوم عليها الإسلام- على مدار التاريخ البشري- هي قاعدة:"شهادة أن لا اله إلا الله"أي أفراد الله- سبحانه- بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية .. إفراده بها اعتقادً في الضمير، وعبادة في الشعائر، وشريعة في واقع الحياة. فشهادة أن لا اله إلا الله، لا توجد فعلًا، ولا تعتبر موجودة شرعًا إلا في هذه الصورة المتكاملة التي تعطيها وجودًا جديًا حقيقيًا يقوم عليه اعتبار قائلها مسلمًا او غير مسلم.

ومعنى تقرير هذه القاعدة من الناحية النظرية .. أن تعود حياة البشر بجملتها إلى الله، لا يقضون هم في أي شأن من شؤونها، ولا في أي جانب من جوانبها، من عند انفسهم، بل لابد لهم أن يرجعوا إلى حكم الله فيها ليتبعوه .. وهو رسول الله. وهذا يتمثل في شطر الشهادة الثاني من ركن الإسلام الأول:"شهادة أن محمد رسول الله".

هذه هي القاعدة النظرية التي يتمثل فيها الإسلام ويقوم عليها .. وهي تنشئ منهجًا كاملًا للحياة حين تطبق في شؤون الحياة كلها، يواجه به المسلم كل فرع من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت