هو الذي خط ببراعة الفهم كلماته الخالدات عن صفقة الإسلام حين قال:"إن الدخول في الإسلام صفقة بين متبايعين .. .الله سبحانه هو المشتري والمؤمن فيها هو البائع، فهي بيعة مع الله، لا يبقى بعدها للمؤمن شيء في نفسه، ولا في ماله .. لتكون كلمة الله هي العليا، وليكون الدين كله لله" [1] .
وقد تبدو النتيجة في حساب الأرض أسيفة أليمة، وقد يعدها البشر هزيمة مريرة، لكن كما يقول سيد في الكتاب الذي بين يدينا اليوم بعنوان"معالم في الطريق"في فصل (هذا هو الطريق) : وهو يتحدث عن أصحاب الأخدود: (إن النصر في أرفع صوره هو انتصار الروح على المادة، وانتصار العقيدة على الألم، وانتصار الإيمان على الفتنة ... وفي هذا الحادث انتصرت الفئة المؤمنة انتصارا يشرف الجنس البشري كله .. إن الناس جميعا يموتون، وتختلف الأسباب، ولكن الناس جميعا لا ينتصرون هذا الإنتصار ولا يرتفعون هذا الإرتفاع، ولا يتحررون هذه التحرر، ولا ينطلقون هذا الإنطلاق إلى هذه الآفاق، إنما هو اختيار الله وتكريمه لفئة كريمة من عباده، لتشارك الناس في الموت، وتنفرد دون الناس في المجد في الملأ الأعلى، وفي دنيا الناس أيضا، إذا نحن وضعنا في الحساب نظرة الأجيال بعد الأجيال، لقد كان في استطاعة المؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم، ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم، وكم كانت البشرية كلها تخسر؟ كم كانوا يخسرون وهم يقتلون
(1) (في ظلال القرآن(11/ 6171) ط/الشروق