فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 192

"جرت عادة الناس بأن يتمثلوا بهذه الآية عند المتاركة، وذلك غير جائز؛ لأنه تعالى ما أنزل القرآن ليتمثل به، بل يتدبر فيه، ثم يعمل بموجبه".

ولا حرج فيما يظهر أن يتمثل الرجل بالقرآن في مقام الجد؛ كأن يأسف أسفًا شديدًا لنزول كارثة، قد انقطعت أسباب كشفها عن الناس، فيقول: {لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ} ، أو يحاوره صاحب مذهب فاسد، يحاول استهواءه إلى باطله، فيقول: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} ، والإثم الكبير في أن يقصد الرجل إلى التظاهر بالبراعة، فيتمثل بالقرآن حتى في مقام الهزل والمزاح.

المبحث الثامن: فوائد ضرب المثل:

يُضرب المثل لتقرير حال الممثل في النفس، حيث يكون الممثل به أوضح من الممثل، أو يكون للنَّفْسِ سابقة ألفة وائتناس به، كما ضرب الله مثلًا لحالِ المنفق رِياءً، حيثُ لا يَحْصُل من إنفاقه على شيءٍ من الثواب، فقال تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} [1] فقد مثَّل حال المرائي في إنفاقه بحال الحجر الأملس يكون عليه تراب، فيصيبُه مطرٌ غزير، فيذهبُ بِما عليه من تراب، فأعمال المُرائي مثل التراب الذي كان على الحجر، فإنَّها تذهب هباء، ولا يجد لها ثوابًا، وفي هذا المثل تقرير لخيبة المرائي على وجه أبلغ ما يكون.

ويُضرب المثل للترغيب في الممثل، حيثُ يكون الممثل به مِمَّا تستَحْسِنُه النفوس وترغب فيه، كما ضرب الله مثلًا لحال المُنْفِق في سبيل الله، حيث يعود عليه الإنفاق بخير كثير، فقال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي

(1) البقرة: 264.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت