فوق طاقة البشر، ووجدنا تصويرا فنيًا عجيبًا يعجز عن إدراك شأوه أساطين البيان، وتسجد له البلاغة في أسمى معانيها، وإنما كان التمثيل بهذه المثابة وتلك المنزلة لاشتماله على خصائص فنية لا توجد في غيره.
من هذه الخصائص الفنية:
1 -تماسك الصور التمثيلية في القرآن تماسكًا شديدًا يجعلها بحيث لو حاولنا فصل أحد الأجزاء لا نفرط عقد الصورة، وانتثرت معالم الجمال فيها، ومن هنا نرى القوة البيانية متمثلة في إعطاء الفكرة عن طريق الصورة التمثيلية مركبة الأجزاء، والعجيب في ذلك أن التمثيل نفسه لم يأت عبثًا، ولكننا نراه يجيء عقب فكرة يراد توضيحها، وتمكينها في ذهن السامع، هذا لما نعلمه من أن الحجة لا تقام إلا بعد طرح الدعوى وبسط الفكرة.
تأمل قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [1] ، فقد يتوهم أن المعنى يفهم لو اقتصر في التشبيه على قوله: مثلهم كمثل الحمار الذي لا يعقل.
ولكن الصورة تزداد قوة والتصاقًا حين يقرن بقية أجزائها إليها من حمل الأسفار، وعدم الفقه بما فيها، واعتقاد أنها كبقية الأحمال التي تثقل الكاهل وتجهد القوي، وذلك في جميع أبعاده يطابق حال اليهود وقد منحوا التوراة لتكون لهم نبعا يستقون منه الحكمة والهداية، ولكنهم يحملونها بإثقال سواعدهم بها دون أن يتدبروها، كأن على قلوبهم
(1) الجمعة: 5.