ومع أهمية تحقيق هذه المسائل الصوتية إلا أنها لا تعلُّق لها بما نحن بصدده، وسأكتفي بهذه الإشارة إليها، ومَن رغب في التوسُّع فيها فيمكنه متابعة ذلك في المصادر التي فصَّلت الحديث عنها.
وأودُّ تذكير القارئ بأن الاختلاف في تحديد مخارج أصوات العربية ليس بالأمر الجديد، فقد حصل على نطاق محدود بين علماء العربية والتجويد، وحصل على نطاق واسع في العصر الحديث، وإذا أراد الباحث أن يحدِّد سبب ذلك الاختلاف، فإنّه قد يكون عدم انكشاف حركة بعض أعضاء آلة النطق سببًا في الاختلاف في تحديد مخارج عدد من الأصوات أو كيفية نطقها.
وإذا كان الاختلاف قد وقع في تحديد مخارج أصوات طرف اللسان، وهي من أكثر الأصوات وضوحًا في العملية النطقية، فإن حصوله في أصوات الحلق، وهي بعيدة، وحركة أعضاء النطق عند تكوُّنها غير واضحة، أمر متوقَّع، وغير مستغرب.
وقد يكون من أسباب الاختلاف في تحديد مخارج أصوات الحلق عدم تدقيق بعض الدارسين في مكونات الحنجرة والتجويف الحلقي، فينعكس ذلك على تصوُّرهم لمخارج هذه الأصوات، وطريقة تعبيرهم في وصفها.
ولاشكَّ في أن من أهم منجزات علم الأصوات الحديث اكتشاف مكوِّنات الحنجرة، ودورها في عملية التصويت، لكن خلوّ اللغات الأوربية من أكثر أصوات الحلق قد أضعف عنايتهم بهذه الأصوات، على نحو ما صرَّح بذلك الدكتور إبراهيم أنيس، كما مرَّ، وحَرَم ذلك دارسي أصوات العربية المحدثين من تحقيق بعض المسائل المتعلِّقة بأصوات الحلق، عن طريق الوسائل الحديثة لدراسة الأصوات اللغوية عندهم.
ولاحظت في كتب علم الأصوات اللغوية الحديثة المرور السريع ببعض مكونات الحنجرة وأجزاء تجويف الحلق، خاصة ما سمَّاه بعض الدارسين بالوترين الكاذبين (أي الطيتين الدهليزيتين) ، ولسان المزمار، حيث صرَّح كثير منهم بأنها لا دور لها في إنتاج الأصوات، على نحو ما أشرت إليه من قبل، وقد أهمل بعض