وأدعوه أن يطيل التأمل في نطق الأصوات الستَّة، وأن يحاول التمييز بين حركة الوترين الصوتيين السفليين، وحركة الوترين الصوتيين العلويين، وحركة لسان المزمار (أي الغلصمة) ، فالحركة التي نحسُّها في الحنجرة عند نطق الهمزة هي حركة الوترين السفليين، والحركة التي نحسُّها في الحنجرة عند حمل ثقل ووضعه هي حركة الوترين العلويين، والحركة التي نحسُّها في منطقة ما فوق الحنجرة عند البلع هي حركة لسان المزمار، وتستطيع أن تبتكر وسائل أخرى في تحسُّس تلك الحركات والتمييز بينها، وإذا ما أُتيحت لبعض القرَّاء وسائل آلية أكثر دقَّة لتحقيق بعض فرضيات هذا البحث، فإنّي أرجو أن يسارع إلى إعلانها.
ثم إني أقترح ترك تسمية الوترين العلويين (أو ما يسمى بالطية الدهليزية أو الثنية الدهليزية) بالكاذبين أو الزائفين، تلك التسمية التي استندت إلى الاعتقاد بأنهما لا دور لهما بعملية النطق، وللتمييز بينهما وبين الوترين الحقيقيين أجد أن نسميهما بالوترين الصوتيين العلويين، في مقابل الوترين الصوتيين السفليين، ما دام لكل منهما دوره في إنتاج الأصوات، هذه على الأقل تسميات مقترحة لدارسي الأصوات اللغوية، ولا تخصُّ أهل التشريح.
ووجدت بعد أن انتهيت من كتابة هذا البحث أن ما قاله الخليل بن أحمد في تحديد مخارج هذا الأصوات أقرب إلى الحقيقية مما قاله سيبويه واللاحقون، فقد جعل الهمزة وحدها في حَيِّز من أقصى الحلق، والهاء والحاء والعين من حيزِّ واحد أيضًا، وتميزت الهاء بهَهَّةٍ، والحاء بِبُحَّةٍ، عن العين، وجعل الخاء والغين في حيِّز واحد، وكنت أمرُّ على كلام الخليل واستحضر ما يقوله العلماء من صحة تحديد سيبويه لمخارج هذه الأصوات، وضَعْفِ مذهب الخليل، وأجد الآن الأمر على العكس من ذلك، على الرغم مما في كلام الخليل من عدم التخصيص والتحديد لمخارج تلك الأصوات.